لم تقتصر تداعيات الحرب في قطاع غزة على تدمير المنازل والمنشآت، بل امتدت إلى ما تبقى من مدخرات الأسر التي اضطرت إلى إنفاقها لتأمين احتياجاتها الأساسية، مع فقدان مصادر الدخل وارتفاع الأسعار.
ومع تراجع فرص العمل واستمرار النفقات، تحوّل ادخار الأسر التي كانت تملك مدخرات، من وسيلة للحماية من أزمات المستقبل إلى مورد للإنفاق على احتياجات الحاضر، ما تركها أمام واقع اقتصادي أكثر هشاشة، مع تراجع أو نفاد ما تبقى منها.
تجربة المواطن ماهر العصار تلخص جانبًا من هذا التحول. يقول العصار لصحيفة "فلسطين" إنه كان قد ادخر نحو 20 ألف دولار من أرباح تجارته في بيع الملابس، وكان ينظر إلى المبلغ باعتباره صمام أمان لعائلته، ومدخرات يلجأ إليها عند الضرورة أو لتأمين مستقبل أبنائه.
لكن اندلاع الحرب وتوقف الحركة التجارية جعلاه أمام واقع مختلف تمامًا؛ فلم يعد لديه دخل منتظم يمكنه الاعتماد عليه، فيما بقيت احتياجات أسرته مستمرة ومتزايدة. ومع مرور الوقت، بدأ يسحب من مدخراته لتأمين الطعام والاحتياجات الأساسية وتغطية النفقات التي فرضها النزوح والحرب.
ويقول العصار إن المبلغ الذي كان يحتاج إلى سنوات لتجميعه بدأ يتراجع بصورة متسارعة، بعدما أصبح الإنفاق يتم من رأس المال المدخر بدلًا من دخل العمل. ومع تدمير منزله، لم تعد المدخرات بالنسبة إليه مجرد أموال احتياطية، وإنما أصبحت وسيلة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ويضيف أن أصعب ما في الأمر ليس فقط فقدان جزء كبير من الأموال التي جمعها، وإنما فقدان المصدر الذي كان يسمح له بإعادة تكوين هذه الأموال. فقبل الحرب، كان يستطيع العمل وتحقيق دخل والادخار منه، أما الآن فقد أصبح ما لديه من مدخرات يتناقص من دون وجود مورد ثابت يعوضه.
وتقول الموظفة سماح السطري إن تجربتها مع المدخرات كانت مختلفة في التفاصيل، لكنها تشترك مع العصار في النتيجة نفسها. فقد كانت تحتفظ بجزء من أموالها ومدخراتها في صورة نقود ومصاغ ذهبي، باعتبارهما وسيلة لحماية الأسرة من الظروف الطارئة، لكنها اضطرت خلال فترة الحرب إلى استخدام هذه المدخرات لتغطية تكاليف النزوح والتنقل بين مناطق القطاع.
وتوضح السطري لصحيفة "فلسطين" أن النزوح المتكرر فرض مصاريف لم تكن الأسرة تخطط لها؛ من تكاليف الانتقال وتأمين مكان للإقامة، إلى شراء الطعام والمياه والاحتياجات اليومية، إضافة إلى متطلبات الأسرة التي لم تتوقف رغم توقف مصادر الدخل.
وتقول إن الذهب الذي كانت تعتبره مدخرًا للمستقبل أصبح جزءًا من نفقات الحاضر، وإن بيع المصاغ لم يكن قرارًا سهلًا، لكنه أصبح ضرورة عندما لم يعد الدخل يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وتضيف أن الأسرة كانت في السابق قادرة على مواجهة الظروف الطارئة بما لديها من مدخرات، أما اليوم فقد استُنزف الجزء الأكبر مما كانت تملكه، وأصبحت أكثر اعتمادًا على المساعدة من الأقارب والمعارف والمساعدات الإنسانية.
فقدان شبكة الأمان
ولا تقف تجربة المواطنين عند حدود فقدان المال، إذ إن ما يصفونه بأنه استنزاف للمدخرات يعني في الواقع فقدان شبكة الأمان التي كانت تحمي الأسرة من الأزمات. فالمبلغ الذي كان مخصصًا للتعليم أو الزواج أو شراء منزل أو بدء مشروع، أصبح ينفق على الطعام والدواء والمياه وتكاليف النزوح.
ويكشف حديث العصار والسطري عن تحول في نمط إنفاق الأسر التي كانت تملك مدخرات: لم يعد الادخار هدفًا للمستقبل، وإنما أصبح رصيدًا يُستهلك لتلبية احتياجات الحاضر. ومع استمرار تراجع مصادر الدخل، تجد الأسر التي استنزفت مدخراتها نفسها أمام معادلة صعبة.
وتزداد خطورة هذا الوضع بالنسبة للأسر التي فقدت منازلها أو أعمالها، لأن استنزاف المدخرات لا يعني فقط انخفاض الرصيد المالي، بل يعني أيضًا تراجع قدرتها على إعادة بناء حياتها اقتصاديًا بعد انتهاء الحرب.
ويبين المختص الاقتصادي د سمير الدقران في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن الحرب ألحقت دمارًا واسعًا بالبنية الاقتصادية، مع تدمير المنشآت التجارية والصناعية وتوقف قطاعات كاملة عن العمل، الأمر الذي أدى إلى فقدان آلاف الأسر لمصادر دخلها. ومع غياب فرص العمل وارتفاع الأسعار، أصبحت الأسر تنفق أكثر مما تكسب، وبالتالي تتجه مدخراتها إلى التآكل السريع.
ويتابع الدقران :اقتصاديًا، لا تكمن الخطورة فقط في أن المواطن أنفق مدخراته، وإنما في أن مصدر الدخل الذي كان يعيد تكوين هذه المدخرات قد توقف أيضًا وهنا تظهر ظاهرة يمكن وصفها بـالادخار السالب عندما تصبح نفقات الأسرة أعلى من دخلها، فتضطر إلى تمويل الفرق من مدخراتها، ثم من بيع أصولها، ثم من الاقتراض أو الاعتماد على المساعدات.
وهذا ما يجعل الوضع أكثر خطورة؛ لأن الأسرة لا تستهلك مدخراتها فقط، وإنما تستهلك معها قدرتها المستقبلية على مواجهة الصدمات.
وبحسب الدقران، فإن خطورة الوضع لا تتوقف عند خسارة المواطن لأمواله المدخرة، وإنما تمتد إلى انهيار مصادر الدخل والإنتاج التي كانت تسمح له بإعادة بناء مدخراته.
فحين يفقد التاجر متجره، والعامل عمله، والموظف جزءًا من دخله، وتتوقف المنشآت الاقتصادية عن الإنتاج، تصبح الأسرة أمام معادلة صعبة: دخل أقل، وأسعار أعلى، وحاجة أكبر إلى الإنفاق.
وتتجه الأسر المتضررة من الحرب بصورة متزايدة إلى الاعتماد على المساعدات.
وهذا التحول حسب الدقران يحمل تداعيات طويلة الأمد؛ لأن إعادة بناء الاقتصاد لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار المباني والمنشآت، بل تحتاج أيضًا إلى إعادة بناء القدرة المالية للأسر، واستعادة دخولها ومدخراتها وقدرتها على الاستهلاك والاستثمار.

