يأتي استيلاء الاحتلال الثلاثاء الماضي على مركز قلنديا للتدريب التابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في مقر بلدة كفر عقب شمالي القدس المحتلة، بذريعة "الصيانة والترميم" ضمن تصعيد ممنهج يهدف إلى تصفية الوكالة الأممية وإنهاء وجودها في القدس عبر خطط متدرجة لتفكيكها.
لكن لم تكن خطوة الاستيلاء جديدة، بل سبقها عدة إجراءات سابقة استهدفت مراكز تدريب ومقرات أونروا ومدارس شملت اقتحام من قبل المستوطنين بحماية شرطة الاحتلال وقطع المياه والكهرباء والسيطرة على مقرات.
وفي 25 آب/ أغسطس 2026، اقتحمت قوة عسكرية قوامها أكثر من 50 عنصراً من شرطة الاحتلال وحرس الحدود، برفقة عربات مدرعة، وبتواجد مباشر لوزير ما يسمى الأمن القومي "إيتمار بن غفير" مقر الأونروا بمعهد قلنديا، وطردت نحو 20 موظفاً كانوا داخل المجمع بقوة السلاح، وأُنزِل علم الأمم المتحدة ورُفِع علم الاحتلال، مع إعلان السيطرة والاستيلاء الكامل على المجمع البالغ مساحته أكثر من 80 دونماً.
وضمن خطة التفكيك والسيطرة، أعلنت محافظة القدس في يناير/ كانون الثاني 2026 أن سلطات الاحتلال أقرت خطوات عملية لتنفيذ قانون قطع الكهرباء والمياه عن مباني أونروا في القدس، حيث شرعت بإرسال إخطارات رسمية تمهيداً لبدء التنفيذ.
وبشكل صريح جاهر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في تصريحات له بأن (إسرائيل) "ستعمل ضد وكالة أونروا بكل الوسائل". وسبق ذلك بن غفير، الذي اعتبر إغلاق مقر معهد التدريب المهني في قلنديا تعبيراً عن "فرض السيادة الإسرائيلية على القدس"، قائلا: "أونروا في قبضتنا".
ولم يكن هذا الاقتحام الأول للمقر، إذ أكدت وكالة الأونروا أن سلطات الاحتلال نفذت 5 اقتحامات سابقة لمعهد قلنديا منذ مطلع عام 2026 تمهيداً لإغلاقه دون توجيه أي إنذارات مسبقة.
وفي 20 يناير/ كانون الثاني 2026، اقتحمت قوات كبيرة من جيش وشرطة الاحتلال يرافقها جرافات عسكرية المقر الرئيس الإداري للوكالة في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، وشرعت الجرافات بهدم مبان، ومكاتب متنقلة، ومنشآت داخل مجمع الوكالة.
وشارك بن غفير في الاقتحام معلنين مصادرة المقر لتحويله لاحقا إلى قاعدة عسكرية ومستوطنة، وفي ديسمبر/ كانون أول 2025 اقتحمت قوة كبيرة من شرطة الاحتلال مقر رئاسة الوكالة نفسه تمهيدا لخطوات الحظر الفعلي، وتعرض المقر إلى اعتداءات من المستوطنين بحماية شرطة الاحتلال في مايو 2024، عندما اقتحم المتطرفون الساحات الخارجية للمقر وأضرموا النار في الحشائش والمنشآت المحيطة في المكاتب تحت أنظار وحماية شرطة الاحتلال.
وفي الربع الأول من عام 2026 وبالتزامن مع دخول قوانين الحظر حيز التنفيذ، اقتحمت طواقم من بلدة وشرطة الاحتلال 6 مدارس تابعة للأونروا في القدس، إلى جانب العيادات الطبية التابعة للوكالة في مخيم شعفاط، وأخليت هذه المراكز قسرا من الكوادر الطبية والتعليمة، وأغلقت أبوابها بالقرارات التعسفية.
ضرب قضية اللاجئين
ويقول الباحث في شؤون القدس علي إبراهيم أن اقتحام قوات الاحتلال لمجمع الأونروا في بلدة كفر عقب، وتحديدًا معهد قلنديا للتدريب المهني، تصعيدًا بالغ الخطورة يندرج ضمن خطة إسرائيلية شاملة لتصفية وكالة الأونروا، وتأتي في سياق سعي الاحتلال ضرب قضية اللاجئين، والمؤسسات التي تقوم على شؤونهم، إذ تهدف هذه الخطوة إلى فرض أمر واقع جديد يُنهي الوجود المؤسسي الدولي في القدس المحتلة، واستبدال مقار الأونروا بمنشآت استيطانية بذريعة "السيادة".
وأضاف إبراهيم لصحيفة "فلسطين": أن "هذا الاقتحام يندرج ضمن مسعى أوسع لشطب حق العودة، من خلال تجفيف منابع الدعم المؤسسي والخدماتي الذي تبقيه الأونروا".
ويأتي الاستيلاء على مقر كفر عقب استمرارًا لاعتداءات الاحتلال على مقار الوكالة في مجمل الأراضي الفلسطينية، وفي القدس على وجه الخصوص، خاصة بعد هدم مقر الوكالة الرئيسي في حي الشيخ جراح، وتخصيص الأرض المقام عليها إلى مشروع استيطاني، برعاية رسمية من وزراء في حكومة الاحتلال. وفق إبراهيم
وحول تداعيات السيطرة على المقر كانتهاك الحصانة الأممية، أكد أنه يمثل خرقًا فاضحًا للقانون الدولي، ولامتيازات وحصانات الأمم المتحدة، وهو ما يفتح الباب أمام استباحة بقية المقرات بلا رادع، ويعيد إلى الأذهان الجرائم الكبيرة التي طالت مقرات الوكالة ومخازنها في قطاع غزة، وحجم الاستهداف الممنهج لموظفيها في حرب الإبادة.
ورأى أن هذه الاستهدافات المتكررة تؤدي إلى حرمان جزء من المقدسيين من حقهم في التعليم والتدريب المهني، وانعكاس ذلك على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. إضافةً إلى تأثير هذه السياسات لتحقيق المزيد من الضغوط على الفلسطينيين في القدس المحتلة، وتحويلها إلى بيئة قاهرة وطاردة للفلسطينيين.
شريان حياة خدمي
وعن رمزية المقر لأهالي كفر عقب وقلنديا، قال إن: "المعهد والمقر يمثل رافعة أساسية للشباب في كفر عقب ومخيم قلنديا، حيث يوفر فرصًا حقيقية للتدريب وبناء المستقبل في ظل انعدام البدائل. ويتجاوز المقر بُعده الخدمي ليكون رمزاً سياسيًا، يُذكّر العالم بمسؤوليته التاريخية تجاه اللاجئين حتى تحقيق العودة".
وبشأن آليات المواجهة والتصدي المسار الدبلوماسي والقانوني، شدد على ضرورة التحرك الفوري في أروقة الأمم المتحدة لاستصدار قرارات تلزم الاحتلال باحترام حصانة مقار "الأونروا"، ورفع قضايا دولية ضد سياسة المصادرة. تعزيز الوعي والتماسك المجتمعي لمقاطعة أي مراكز "مجتمعية" أو تهويدية يحاول الاحتلال فرضها لتكون بديلا عن خدمات الأونروا.
كما شدد على ضرورة مطالبة الدول المانحة بزيادة تمويل الأونروا لتعزيز صمودها وقدرتها على تقديم الخدمات رغم التضييق والإجراءات التعسفية.
أما الباحث في شؤون القدس عبد الله معروف، فيرى أن مستوى العنجهية الإسرائيلية وصل لحد لا يطاق ولا يمكن تجاهله على مستوى العالم كله.
وقال معروف لصحيفة "فلسطين": "ما جرى في مخيم قلنديا وكفر عقب يمكن إجماله بأنه عربدة إسرائيلية الهدف منها انتخابي بحت، فعندما يأتي شخص معتوه مثل إيتمار بن غفير ويرفع علم (إسرائيل) على مقر تابع للأمم المتحدة ويحمل عبارة: "الأونروا في أيدينا" ولا يتصرف مثله أي شخص عاقل إلا شخص مجنون".
وأضاف: "هذا ما يقوم به الاحتلال بهذه المرحلة الذي يقدم نفسه لمناصريه الذين لا يقلون جنونا عنه بهذه الأعمال الاستعراضية السخيفة التي يقدم فيها نفسه زعيما لليمين في الانتخابات وهذا هو الهدف الحقيقي لكل ما يفعله وما يفعله أتباع الصهيونية الدينية".

