تمرّ ذكرى مولد رسول الله ﷺ على غزة هذا العام، فلا تستقبلها مدينة آمنة تتزين شوارعها وتزدحم مساجدها، بل أرض مثخنة بالجراح، وخيام يرفع أهلها الأذان من بين الركام، وأمهات يحملن الفقد والصبر معًا، وأطفال كبروا قبل أوانهم، وشعب ما يزال يبحث وسط المحنة عن معنى يثبّت القلب ويهدي الطريق.
وفي هذه اللحظة، تبدو سورة الأحزاب كأنها تُقرأ في غزة قراءة جديدة؛ لأنها لا تقدم النبي ﷺ في مشهد رخاء، وإنما تضع الأسوة في قلب الحصار:
﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10].
هناك، عندما ضاقت المدينة، وتكاثرت الأحزاب، واشتد الخوف، وانكشفت النفوس؛ نزلت الكلمة التي تحتاجها غزة اليوم:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
هنا يصبح المولد أكثر من ذكرى؛ يصبح منهجًا للثبات.
فأن نحب محمدًا ﷺ ونحن في المحنة، يعني أن نتعلم منه كيف تكون القلوب كبيرة حين تضيق الأرض، وكيف يبقى اليقين حيًا حين تتكاثر أسباب الخوف، وكيف لا تسمح شدة البلاء بانهيار الأخلاق أو ضياع البوصلة.
لقد رأى المنافقون الأحزاب فقالوا:
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12].
ورأى المؤمنون المشهد نفسه فقالوا:
﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
المشهد واحد، ولكن القلوب ليست واحدة.
وهذه إحدى رسائل المولد إلى غزة: ليست البطولة في ألا نخاف، ولا في ألا نتألم، وإنما في ألا يتحول الخوف إلى انهيار، والفقد إلى يأس، والحصار إلى استسلام للروح.
وفي غزة اليوم معنى آخر للأسوة؛ فالنبي ﷺ لم يكن قائدًا بعيدًا عن آلام الناس، بل كان بينهم، يحمل همهم، ويشاركهم شدتهم، ويدعوهم إلى الله وهو بينهم:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46].
وما أحوج غزة إلى السراج المنير حين يطول ليلها؛ إلى دين يعيد بناء الإنسان ولا يكتفي بتعداد خسائره، وإلى منبر يزرع الرجاء ولا ينكر الألم، وإلى عالم يصلح بين الناس، وإلى غني يكفل فقيرًا، وإلى جار يحمل جاره، وإلى مجتمع لا يسمح للمحنة أن تأكل أخلاقه كما أكلت الحرب بيوته.
إن الاحتفاء برسول الله ﷺ في غزة لا يكتمل بكثرة الصلاة عليه، على عظيم فضلها، حتى تتحول الصلاة إلى أثر في السلوك:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
نصلي عليه، ثم نسأل أنفسنا: أين رحمته بيننا؟ أين صدقه وأمانته؟ أين عفوه؟ أين تكافل المجتمع الذي صنعه؟ أين حفظ الحقوق عند الخصومة؟ وأين جمع القلوب حين تتنازع؟
فغزة التي تحتاج إلى إعادة إعمار البيوت تحتاج قبل ذلك ومعه إلى إعمار الإنسان؛ تحتاج ألا تنتصر عليها المحنة من الداخل بعدما عجزت عن اقتلاعها من أرضها.
وهنا يكون أعظم وفاء لصاحب المولد ﷺ: أن يبقى هديه حاضرًا عندما تبلغ القلوب الحناجر.
أن نقول وسط الركام: لن نفقد أخلاقنا.
ووسط الفقد: لن نفقد يقيننا.
ووسط الاختلاف: لن نفقد أخوتنا.
ووسط الخيام: لن نفقد رسالتنا.
ووسط هذا الليل الطويل: لن نفقد الأمل في الفجر.
فذكرى المولد في غزة ليست حكاية عن ميلاد رجل عظيم مضى؛ إنها تجديد عهد مع رسالة ما زالت تصنع الرجال والأمم.
لقد كان ﷺ أسوةً يوم الأحزاب، ويبقى أسوةً حين تتجدد الأحزاب.
وكان سراجًا منيرًا في ظلمات الطريق، ويبقى نوره هاديًا حين تتكاثف الظلمات.
وكان رحمة للعالمين، وما أحوج عالمنا المكدود بالدم إلى أن يستعيد معنى الرحمة.
يا رسول الله ﷺ، هذه غزة في ذكرى مولدك؛ جريحة لكنها لم تنسَ ربها، مثقلة بالفقد لكنها تبحث في سيرتك عن طريقها، وتقرأ سورة الأحزاب لا بوصفها تاريخًا مضى، بل رسالةً للساعة: كيف يثبت المؤمن عندما تحاصره الأحزاب؟
وفي يوم مولدك نجدد العهد:
أن يكون حبك اتباعًا، والصلاة عليك اقتداءً، وسيرتك منهجًا، وأخلاقك زادًا، وثباتك في الأحزاب درسًا للأجيال.
صلّى الله عليك يا رسول الله؛ يوم وُلدت، ويوم حملت الرسالة، ويوم ثبتَّ والأحزاب تحاصر المدينة، ويوم تركت لأمتك في أشد ساعاتها كلمةً لا تشيخ:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
وفي غزة الثبات والعزة، تبقى ذكرى المولد عهدًا: أن نحبَّه ﷺ كما أراد القرآن؛ لا ذكرًا على الألسنة فحسب، بل نورًا في القلوب، وأخلاقًا في المجتمع، وثباتًا في المحنة، ومنهجًا حتى تنقشع الأحزاب.

