فلسطين أون لاين

غطرسة "إسرائيل": هل هي تعبير عن فائض القوة أم جنون العظمة؟

تقدم (إسرائيل) نفسها للعالم بوصفها القوة التي لا تُقهر في إقليم عاجز، الجزيرة العسكرية والتقنية المتفوقة، لكن كلما تأملنا سلوكها الفعلي على الأرض، تظهر قوة متغطرسة تبطش في كل مكان، استنادًا إلى نبوءات توراتية، وبعيدًا عن التفكير الاستراتيجي المتزن.

كيان يخوض حروبًا في ست جبهات دفعة واحدة: غزة، الضفة الغربية، لبنان، سوريا، إيران، واليمن، بينما الحليف الاستراتيجي الذي يستمد منه هذا الكيان قدرته على الحركة يترنّح أمام مضيق هرمز الذي عجزت أمريكا عن فتحه.

يسيطر جيش الاحتلال على نحو 70% من مساحة قطاع غزة، وفي الضفة الغربية تتصاعد "الثورة الاستيطانية"، وتتسع الاقتحامات اليومية للمدن والمخيمات، وفي جنوب لبنان، لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة في مساحة 600 كيلومتر مربع، معلنة أنها لن تنسحب "حتى لو طالبت الولايات المتحدة بذلك"، على حد تعبير وزير الجيش يسرائيل كاتس، وفي جنوب سوريا، شقّت جرافات الاحتلال طرقًا وخنادق عسكرية داخل ريف القنيطرة، واقتطعت آلاف الدونمات من أراضٍ زراعية، وتتوغل في مساحة تزيد عن 230 كيلومترًا مربعًا، ولا تزال تهدد إيران بتنفيذ ضربات جوية مماثلة للهجوم الواسع الذي شنته في فبراير 2026م، والآن تهدد تركيا بلغة مليئة بالاستكبار.

إن هذا التمدد المتزامن يستحيل تفسيره بموارد إسرائيل الذاتية وحدها، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، قدّمت واشنطن لتل أبيب مساعدات عسكرية لا تقل عن 21.7 مليار دولار، ضمن سجل تراكمي يتجاوز 300 مليار دولار منذ عام 1951، فيما تبقى منظومات حيوية كسلاح الجو و"القبة الحديدية" مرتبطة عضوياً بالتمويل والذخيرة والصيانة الأمريكية.

ترتكز إسرائيل على هذا الدعم الأمريكي في تغولها في المنطقة، بالإضافة إلى الغطاء الاستراتيجي من خلال معادلة: من يواجه إسرائيل سيواجه أمريكا.

المفارقة اللافتة أن الغطاء الأمريكي، الذي طالما بدا مطلقًا وغير مشروط، بات هو نفسه يعاني تآكلًا واضحًا في هيبته العالمية، تجلّى ذلك في مضيق هرمز؛ فبعد أشهر من الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية والتلويح بضربات عسكرية، لا تزال حركة الملاحة عبره شبه متوقفة، ولا تزال طهران تكرر أن المضيق لن يُفتح إلا بعد قبول واشنطن بشروطها، بالإضافة إلى عجز أمريكا عن حشد أي تحالف يساندها في ضرب إيران.

إن المستفيد الأكبر من هذا العجز الأمريكي لم يكن سوى الصين، التي وسّعت حضورها التجاري في المنطقة، بينما تنشغل واشنطن بحروب لا تنتهي.

النموذج الأوضح على جنون إسرائيل جاء في 18 أغسطس/آب 2026، حين شنّت مقاتلات الاحتلال ثماني غارات على قاعدة "أبو الظهور" الجوية في ريف إدلب، على مسافة لا تتجاوز 70 كيلومترًا من الحدود التركية، بذريعة منع تركيا من إعادة تأهيل المطار ونشر منظومات دفاع جوي فيه.

الضربة لم تُبلَّغ بها أنقرة مسبقًا، ورصدت الرادارات التركية الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالًا نحو حدودها، في مشهد كان يمكن أن ينزلق إلى مواجهة مباشرة بين تل أبيب وأنقرة، لولا تدخل ما وصفه المبعوث الأمريكي توم باراك بـ"العقول الهادئة" في اللحظات الأخيرة. باراك نفسه وصف الضربة بأنها "تصعيد غير ضروري"، أيضًا رفضت إسرائيل آلية طرحتها أمريكا للتنسيق بين إسرائيل وتركيا في سوريا.

هنا تتجلى الغطرسة في أنقى صورها: كيان لا يكتفي بتجاوز القانون الدولي وحدود الدول المجاورة، بل يسعى إلى استدراج حليفه الأكبر لضرب عضو في حلف الناتو، ويمضي منفردًا في تنفيذ ما يريد، متجاوزًا حتى الأطر التي صمّمتها واشنطن نفسها لضبط سلوكه.

إن الجيل الذي أسس "الردع" الإسرائيلي، من بن غوريون إلى رابين، كان يتحرك، رغم كل عدوانيته، وفق حسابات دقيقة لموازين القوى والمكاسب والخسائر.

أما اليوم، فقد صار القرار الاستراتيجي رهينة خطاب ديني صريح: نتنياهو يصف سكان قطاع غزة بالعماليق؛ وهم، حسب النصوص التوراتية، قوم أبادهم اليهود ويتفاخرون بإبادتهم، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش يتحدث عن "ثورة استيطانية" في الضفة باعتبارها استكمالًا لوعد توراتي.

الحكومة الصهيونية التي تقود إسرائيل اليوم تتبنى الفكر الخلاصي، وهو، باختصار، يهدف إلى: إشعال الحروب في المنطقة تمهيدًا لقدوم "المخلص"، الذي سيحقق أحلام الصهاينة بإقامة الهيكل.

هذا ليس خطاب دولة تحسب تكلفة حروبها في ست جبهات، وتلوّح بفتح جبهة جديدة مع تركيا، بل خطاب حركة ترى في التوسع تحقيقًا لنبوءة، لا مشروعًا سياسيًا قابلًا للمساءلة.

هنا يكتمل المشهد: حليف بدأ يفقد هيبته، ودولة تُدار بعقل استبدل الحساب الاستراتيجي بيقين توراتي، وتستنزف نفسها ميدانيًا في ست جبهات مفتوحة في وقت واحد، وتهدد بفتح جبهات أخرى. هذا ليس فائض قوة متّزنًا، بل جنون عظمة مركّب، سيدفعها في النهاية إلى الانكماش والتراجع.
 

المصدر / فلسطين أون لاين