فلسطين أون لاين

عقيدة الإبادة: من عماليق إلى غزة

منذ اللحظات الأولى للحرب على غزة في أكتوبر 2023، ترافق القصف والدمار والقتل والتجويع مع تصريحات القادة الصهاينة التي عبرت بوضوح عن عقيدة مترسخة لديهم بإبادة من لا يستسلم لبطشهم.

في 9 أكتوبر 2023، وقف وزير الجيش الصهيوني يوآف غالانت ليعلن فرض حصار كامل على القطاع: لا كهرباء، ولا ماء، ولا وقود، ولا غذاء. ثم أضاف الجملة التي اختصرت العقلية الصهيونية: "نحن نحارب حيوانات بشرية، وسنتعامل معهم على هذا الأساس".

ترجم الاحتلال التصريحات إلى سياسة، أطفال ماتوا تحت الأنقاض، ورضع في الحضانات ماتوا بسبب انقطاع الكهرباء، وعائلات كاملة مُحيت من السجل المدني، لم تكن هذه "أخطاء ميدانية"، بل كانت ترجمة حرفية لخطاب صنّف مليوني إنسان خارج دائرة البشر.

بعد أسبوعين من بدء الحرب، وتحديدًا في 28 أكتوبر 2023، أعلن بنيامين نتنياهو بدء الاجتياح البري لغزة، لم يخاطب جنوده بلغة التكتيكات العسكرية فقط، بل خاطبهم بنصوص توراتية، قال لهم إنهم امتداد لـ "سلسلة أبطال" عمرها 3000 عام، ثم نطق بالجملة المحورية: "يجب أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، كما يقول كتابنا المقدس، ونحن نتذكر ذلك بالفعل".

الإشارة ليست عابرة، هي استدعاء مباشر لنص توراتي من "سفر صموئيل الأول 15:3": "فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلَا تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا".

النبي هنا هو شاول، والأمر صادر بشكل مباشر "بأمر إلهي" حسب النص التوراتي المزعوم، الإبادة إذًا ليست جريمة، بل هي عمل مقدس نفذه نبي.

لم يكتفِ نتنياهو بالخطاب العلني، ففي 3 نوفمبر 2023 وجّه رسالة مماثلة للجنود، استشهد بها محامو جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية في 11 يناير 2024 كدليل على "نية إبادية معلنة من أعلى مستوى".

هذه ليست المرة الأولى التي يستحضر فيها نتنياهو نصوص الإبادة، فمنذ 2015 وهو يبني خطابه عن إيران على سفر أستير،
في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي في مارس 2015 شبّه إيران بـ "هامان" الذي خطط "لإبادة الشعب اليهودي قبل 2500 عام"، كررها أمام بوتين في 2017، وكررها أيضًا في 2021، ومع اندلاع الحرب المباشرة مع إيران في يونيو 2025، عاد لاستخدام النصوص نفسها وبشكل أكثر صراحة.

القصة باختصار، في سفر أستير: هامان الوزير الفارسي يخطط لإبادة اليهود، فتتدخل الملكة أستير التي كانت تخفي ديانتها اليهودية، وتقنع الملك بالانقلاب على هامان وإعطاء الضوء الأخضر لليهود لإبادة أعدائهم، وقد قام اليهود بمذبحة قتلوا فيها عشرات الآلاف، وتحول هذا اليوم إلى عيد يحتفل به اليهود كل عام فيما يسمونه "عيد بوريم".

مرة أخرى، الخصم لا يُعرض كدولة لها مصالح، بل كـ"هامان" أزلي يجب استئصاله قبل أن يستأصلك.

حين نضع خطابي عماليق وهامان جنبًا إلى جنب، تتضح البنية، العدو بالنسبة "لإسرائيل" لا يُوصف كخصم سياسي، بل يُوصف كتهديد وجودي متكرر عبر التاريخ، هدفه إبادتك، وبالتالي، قتله ليس عدوانًا، هو دفاع مقدس، بل عبادة.

هذا ليس توظيفًا عابرًا، هو نمط متكرر عبر التاريخ مع أعداء مختلفين، وبنفس المنطق: نزع الإنسانية أولًا، ثم تبرير الإبادة لاحقًا.

السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل ما رأيناه في غزة: هل ستكون غزة الحلقة الأخيرة؟ 
التجربة تقول لا، ما دامت أيدي الصهاينة مطلقة دون تكبيل، وما دام الثمن السياسي منخفضًا والخطاب ينجح في حشد الداخل، فسيتم استدعاء "عماليق" جديد في كل مرة، فإن ما حدث في غزة كان اختبارًا لحدود العالم.

عندما يصرح كبار القادة مرارًا وتكرارًا وبشكل موثق عن نية إبادة الخصم، فالأصل أن نأخذ كلامهم على محمله، وعلينا أن نفهم أن العقلية الصهيونية هي عقلية قائمة على إبادة الآخر.

إن هذه العقيدة الصهيونية لا تتوقف عند طرف، المنطق الذي قدّس إبادة عماليق، والذي سمى الإيرانيين هامان، لن يستثني أي عربي أو مسلم يرفض الاستسلام والتبعية، بالنسبة لهذه العقيدة، البقاء مرهون بإبادة من لا يستسلم لهم.

لذلك لا مجال للحياد. من يتعامل مع "إسرائيل" كدولة "طبيعية" يمكن التعايش معها باتفاقيات سلام، يتجاهل العقلية الصهيونية التي تؤمن أن وجودها مرتبط بفناء الآخر.

غزة كشفت القناع، لم تعد الإبادة تُرتكب في الظلام ثم يُنكرها الفاعل، الآن تُعلن في خطاب رسمي، وتُستدعى لها نصوص مقدسة، ويُطلب من الجنود تنفيذها كـ"تذكير تاريخي".

المصدر / فلسطين أون لاين