فلسطين أون لاين

قُصُور في "قُصْرَة".. عجز الردع يفتح شهية الاستيطان!

لماذا تجرأ المستوطنون في قصرة إلى هذا الحد؟ ولماذا انتقلوا من الاعتداء على المزارعين ومصادرة الأراضي والمواشي إلى محاصرة المنازل الفلسطينية نفسها، وقطع الماء والكهرباء، وتهديد السكان ودفعهم نحو الرحيل؟ الإجابة لا تكمن في شراسة مجموعة من المستوطنين وحدها، ولا في تصاعد نفوذ اليمين الاستيطاني فقط، وإنما في قراءة المستوطنين والاحتلال لميزان الردع في الضفة الغربية، وفي قناعة أخذت تتشكل خلال السنوات الأخيرة بأن سقف الرد الفلسطيني الرسمي منخفض جدًا، وأن حجم الجريمة لا يساوي بالضرورة حجم الرد عليها.

وهنا تحديدًا يجب التوقف عند غزة، ليس لتبرئة الاحتلال من مسؤولية ما ارتكبه، وإنما لأن السلوك السياسي الذي أعقب حرب الإبادة وحجم الجرائم المرتكبة هناك، حمل رسالة يمكن للاحتلال أن يقرأها بطريقة مختلفة تمامًا عن الخطابات والبيانات الرسمية.

طوال قرابة ثلاث سنوات من الحرب، ومع سقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى وتدمير قطاعات واسعة من الحياة المدنية في القطاع، بقي رد السلطة الفلسطينية محصورًا إلى حد كبير في الإدانة السياسية والمواقف الإعلامية، دون أن تتحول هذه المواقف إلى سياسة ضغط فلسطينية متماسكة ترفع كلفة الاحتلال.

في منطق الصراع، لا ينظر الخصم فقط إلى ما تقوله، بل إلى ما تستطيع فعله عندما يتم تجاوز الخطوط التي تعلنها كخطوط حمراء؛ فالردع لا يقوم على البيانات، بل على قناعة الطرف المقابل بأن تجاوز حد معين سيؤدي إلى تكلفة حقيقية، وهذا ما يجعل من "قصرة" أكثر من حادثة أمنية؛ فعندما يرى المستوطن أن حربًا امتدت لسنوات في غزة لم تنتج من الجانب الفلسطيني الرسمي سوى ردود فعل محدودة أو لا تكاد تذكر، فمن "المنطقي"، ضمن حسابات القوة، أن يفترض أن الاعتداء على قرية في الضفة لن ينتج ردًا أكثر قسوة أو حدة.

الأخطر أن هذا العنف المنهجي يعتمد على تواطؤ مؤسسي كامل، وهو أمر ليس بالجديد؛ فالمستوطنون في "قصرة" وغيرها لا يعملون بمعزل عن جيش الاحتلال، بل يتحول جيش الاحتلال في جميع الحالات إلى درع يحمي المعتدين، أو يحول دون قيام الأهالي بواجب الدفاع عن منازلهم، بدلًا من ردع المهاجمين.

هذا التواطؤ يكتمل بأدوات "الحرب الاقتصادية" الصامتة؛ حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على الترهيب، بل يمتد إلى القتل وتجفيف منابع الحياة عبر قطع المياه، وحرق أشجار الزيتون، وتجريف الأراضي ومنع المزارعين من الوصول لأراضيهم، مما يخلق ضغطًا معيشيًا يهدف إلى دفع السكان نحو الهجرة القسرية.

أمام هذا الفراغ في الحماية، أصبحت القرى الفلسطينية اليوم تواجه مصيرها وحيدة، فغياب دور حاسم من السلطة الفلسطينية عبر توفير الحماية، وتراجع الرهان على التدخل الدولي، دفع القرى إلى تشكيل "لجان حماية شعبية" محلية، لكن هذه المبادرات، رغم شجاعتها، تظل محدودة الإمكانات أمام منظومة دولة تمتلك السلاح والغطاء القانوني، مما يجعل من "قصرة" اختبارًا لقدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود في وجه استراتيجية "التهجير البطيء".

والأخطر أيضًا أن هذا العنف بدأ يتجاوز حدود المناطق التي (اعتاد) الفلسطينيون رؤية الاستيطان فيها، فقد أشارت تقارير حديثة إلى أن جزءًا كبيرًا من اعتداءات المستوطنين وقع في المنطقتين (أ) و(ب)، وهو ما يعني أن الضغط لم يعد محصورًا في أطراف الضفة ومناطق (ج)، بل بدأ يتقدم وبقوة إلى قلب المجال الفلسطيني، و"قصرة" وغيرها، الواقعة في المنطقة (ب)، تصبح هنا مؤشرًا على هذا التحول؛ فإذا كان المستوطن قادرًا على حصار منزل فلسطيني داخل منطقة يفترض أن تكون جزءًا من المجال الفلسطيني، فما الذي بقي من الحدود السياسية التي رسمتها اتفاقية أوسلو؟

ومن هنا يأتي مشروع (E1) كجزء من الصورة لا كخبر منفصل، فطرح عطاءات لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية ضمن هذا المشروع، الذي ظل منذ تسعينيات القرن الماضي أحد أكثر المشاريع حساسية بسبب أثره على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وعزل القدس المحتلة تمامًا عن جوارها، ما يعني أن الاحتلال لا ينتظر نهاية الحرب، بل يبني واقعًا جديدًا قد يجعل التسوية نفسها مستحيلة.

ولهذا فإن الخطأ الفلسطيني لا يكمن فقط في عدم القدرة على الوقوف بوجه إرهاب المستوطنين، وإنما في عدم بناء تصور جديد للردع، فالمطلوب اليوم قلب المعادلة بوسائل سياسية وقانونية واقتصادية، من خلال بناء ملفات قضائية دولية دائمة، وربط العلاقات الدولية بمساءلة منظومة الاستيطان، وتوفير مقومات الصمود عبر السكن والمياه والزراعة، والأهم الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة تجعل الاعتداء على كل ما هو فلسطيني مكلفًا سياسيًا وقانونيًا على من ينفذه ومن يوفر له الحماية.

إن المستوطن الذي لا يواجه كلفة عند التجربة الأولى سيعود بتجربة ثانية، ثم ثالثة، إلى أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والاعتداء إلى سياسة، والرحيل إلى وسيلة لإعادة رسم الخريطة.

واليوم، لم يعد السؤال هل سينجح الاحتلال في تهجير قرية ما، بل هل يمتلك الفلسطينيون أو أولئك المنادون بالمقاومة الشعبية وحتى جميع البدائل المطروحة إستراتيجية شاملة تحمي الوجود، أم أنهم سيكتفون بمراقبة الخريطة وهي تتقلص أمام أعينهم؟

المصدر / فلسطين أون لاين