حين يتحدث التاريخ عن معلمي الجغرافيا، فإنه لا يروي مجرد خطوط طول وعرض، بل يحكي عن حكايات العشق الأبدي للأرض والوطن. وفي سجلات الصمود الفلسطيني، يتربع اسم الحاج عدنان شعبان جراد (66 عاما) بصفته أحد أولئك الرجال الذين مزجوا التعليم بالانتماء، ليختتم حياته بحكاية تضحية لا تنسى، على درب لا ينتهي نحو قرية "يبنا" المهجرة التي طالما حلم بالعودة إليها.
ولد الحاج عدنان عام 1956، حاملا في جيناته وعيا مبكرا بهوية المكان، وهو لاجئ فلسطيني تنحدر جذوره من قرية "يبنا" المحتلة عام 1948، عاش عمره كله على أمل العودة، وكان يغرس هذا الحلم في قلوب أبنائه وطلابه في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، حيث قضى أعواما طويلة معلما لمادة الجغرافيا.
لم يكن "أبو شعبان" مدرسا تقليديا، بل كان عاشقا لكل ذرة تراب من وطنه، وكان طالما يردد لأبنائه بعبارته الواثقة: "سنعود يوما إلى يبنا". كان محبوبا للجميع، عرفه الصغير قبل الكبير، وعرف بروحه المرحة وقربه الخاص من الأطفال، إذ كان يخصص وقتا للعب معهم، ورسم الابتسامة على وجوههم، وتوزيع الهدايا، وإقامة الأمسيات الترفيهية لهم، جاعلا من التعليم رسالة حياة ومحبة.

مع اندلاع معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يبق الحاج عدنان وعائلته بمنأى عن ضريبة الوطن. ففي اليوم ذاته، ارتقى نجله "إبراهيم" (29 عاما)، وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال، مقبلا غير مدبر، مدافعا عن ثرى فلسطين. تلقى الأب المكلوم النبأ بجلد المؤمن الصابر، محتسبا ابنه عند الله، ومضى يواسي زوجته وأهله.
لكن المأساة الكبرى كانت تتربص بالعائلة في ليلة دامية بتاريخ 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، أي بعد مرور نحو أربعين يوما على استشهاد إبراهيم، فدون سابق إنذار، استهدف قصف إسرائيلي منزل العائلة بحي الزيتون شرق مدينة غزة، الذي كان يضم أفرادها إلى جانب أنسبائهم. أسفر هذا القصف عن ارتقاء نجله الثاني "خالد" (35 عاما)، وصهره الشاب معتز أبو كويك (37 عاما)، إضافة إلى إصابة زوجته الحاجة أم شعبان وعدد كبير من أفراد العائلة بجروح مختلفة.
لحظة الوداع الأخير
يستذكر الابن الأكبر شعبان جراد (43 عاما) تلك اللحظات القاسية في حديثه لصحيفة "فلسطين": "كان القصف الأول ليلا، وقد غادرنا المكان بسرعة وانقسمنا إلى مجموعات نحو منازل مجاورة لإنقاذ من يمكن إنقاذه".
ويتابع شعبان بغصة تخنق الكلمات: "تحرك والدي الحاج عدنان للاطمئنان على أفراد العائلة الذين أصيبوا في القصف الأول، فتم قصفه بشكل مباشر بصاروخ استطلاع، في عملية اغتيال مقصود استهدفته أثناء تفقده لعائلته". وبهذا، ارتقى الحاج عدنان شهيدا بفارق زمني لا يتجاوز 20 دقيقة عن استشهاد خالد ومعتز، ليلتحق بركب الشهداء طاهرا مكرما.
يضيف شعبان: "علمنا باستشهاد والدي في صباح اليوم التالي، وهو ما زاد من هول المصيبة، إلا أننا حمدنا ربنا وصبرنا".
ويستحضر شعبان تفاصيل حضور والده الغائب، ويقول بمرارة: "لم يكن والدي مجرد أب، كان بوصلتنا التي تضبط اتجاهاتنا نحو الصبر، واليوم نعيش فراغا لا يملؤه شيء، ففي كل زاوية من زوايا البيت ما زلت أسمع صدى ضحكاته وحكاياته عن يبنا التي لم بزرها لكنها كانت تسكن روحه. إن أعظم ما افتقدناه هو تلك الطمأنينة التي كان يغدقها علينا، فقد كان قلبه يسبقنا دائما في تلمس احتياجاتنا، ورحيله ترك فينا ندبة لا تندمل، وكأننا فقدنا مع رحيله ذاكرة العائلة وقلبها النابض".
لم تتوقف فصول المعاناة عند حدود الدم، بل امتدت لتشمل جغرافية المكان القاسية، فقد كانت المنطقة مغلقة بالكامل ومحاصرة من قبل آليات الاحتلال العسكرية وطيرانه الحربي.
يوضح أفراد العائلة أنه لم يكن بمقدورهم نقل الجثامين إلى المستشفيات لعلاج المصابين، ولا حتى الوصول إلى المقبرة لدفن الشهداء بسبب الحصار المطبق. وأمام هذه الظروف القاسية، اضطرت العائلة إلى مواراتهم في الثرى في إحدى الأراضي المجاورة للمنزل، لتبقى مراقد شهداء العائلة قريبة من قلوبهم المنكسرة.
زوجة صابرة وعمود منكسر
تقول الحاجة اعتدال جراد (65 عاما) لصحيفة "فلسطين"، بقلب يعتصره الألم ويجلله الفخر: "كان مثالا للزوج الصالح والحنون، الذي يسعى دوما لرسم البسمة بكرمه وخلقه العظيم. لقد فقدت عمودا أساسيا في البيت". وتستذكر "أم شعبان" مواقفه الإنسانية قائلة: "بعد استشهاد ابني إبراهيم، كان هو من يخفف عني ويقول لي: يا حجة، سيكون لك شفيعا يوم القيامة. وكان دائما ما يسارع إلى قضاء حوائج المساكين والمحتاجين".
وعن لوعة الفقد، تتابع بكلمات تفيض حنينا: "أفتقد في كل صباح صوت دعائه لي ولأبنائنا، وأفتقد ذلك الرجل الذي كان يرى في عيوننا ما لا يراه الآخرون. لقد كان يغادر المنزل دائما بابتسامة تبعث الأمل في نفوسنا، واليوم، يبدو البيت موحشا وكأن الزمن توقف عند لحظة وداعه. إن حنيني إليه ليس حنينا عابرا، بل هو وجع يرافقني في كل تفصيلة، فقد كان سندي في الغربة وفي الوطن، وبرحيله فقدت اليد التي كانت تمسح عن قلبي أوجاع الحياة، فصار الانتظار أصعب ما في يومي، والذكريات هي كل ما تبقى لي منه".
يرحل الحاج عدنان شعبان جراد، تبقى سيرته معطرة بعبق الأرض والتعليم والمقاومة. يرحل معلم الجغرافيا الذي طالما رسم لطلابه حدود الوطن وأشواق العودة، ليترك خلفه إرثا من الصبر، ولتبقى دماء إبراهيم وخالد ومعتز وعدنان منارة على طريق الحرية، وشاهدا حيا على أن الكبار يموتون، لكنهم يزرعون فينا شتلات اليقين بأن الوعد الآتي لا محالة قادم، تماما كما كان يكرر دائما: "سنعود يوما إلى يبنا".

