﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110].
قانون البشارة والأمل
ليست البشارة في القرآن كلمة مواساة تُقال للمكلومين، ولا التفاؤل محاولةً للهروب من قسوة الواقع؛ إنها منهج إيماني في قراءة التاريخ، وسُنّة ربانية في مواجهة المحن. فالمؤمن يرى الجرح ولا ينكره، ويعرف حجم الخسارة ولا يهوّن منها، لكنه يرفض أن يمنح اللحظة المؤلمة حقَّ كتابة نهاية القصة.
وفي غزة، حيث طال البلاء، وكثر الفقد، وضاقت الأرض بأهلها، يصبح الأمل أكثر من شعور جميل؛ يصبح عبادةً وثباتًا ومقاومةً للهزيمة الداخلية. وهنا تأتي رسالة القرآن لتقول للقلوب المتعبة: ليس اشتداد المحنة دليلًا على انقطاع الرحمة، ولا تأخر الفرج دليلًا على غيابه.
ويضع القرآن أمامنا ذلك المشهد المهيب:
﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110].
ثلاث كلمات تقلب المشهد كله: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.
جاء حين بلغت الشدة منتهاها، وحين ضاقت الحسابات البشرية، وحين بدا الطريق كأنه أغلق أبوابه. وهنا يتجلى قانون البشارة: قد تبلغ المحنة ذروتها، لكن ذروة المحنة ليست بالضرورة نهاية الطريق.
وتتكرر السنة في مشهد آخر:
﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
إنها الزلزلة؛ ليست ألمًا عابرًا، بل امتحانًا يهز النفوس حتى أعماقها. ومع ذلك يأتي الجواب في قلب الزلزلة نفسها: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وهذه رسالة غزة اليوم: لا تجعلوا طول الطريق برهانًا على أن الطريق بلا نهاية.
لا تيأسوا من روح الله
كان يعقوب عليه السلام قد فقد يوسف، ثم فقد أخاه، وابيضت عيناه من الحزن، ومع ذلك لم تتحول الأحزان المتراكمة إلى يأس، بل قال:
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
تأملوا هذا البناء العظيم: ﴿اذْهَبُوا﴾ ثم ﴿وَلَا تَيْأَسُوا﴾.
فالأمل القرآني ليس انتظارًا سلبيًا؛ إنه أمل يتحرك، ويقين يأخذ بالأسباب.
ولهذا يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56].
فاليأس ليس مجرد حزن؛ إنه أن تحكم على المستقبل كله من خلال صورة الحاضر، وأن تجعل ميزان القوة الراهن قدرًا أبديًا.
لكن القرآن يقول:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
لا قوة تبقى في ذروتها إلى الأبد، ولا ضعف يبقى قدرًا أبديًا، ولا ليل يملك أن يصادر الفجر.
مع العسر يسرًا
ولعل من أجمل أسرار البشارة أن الله لم يقل إن اليسر يأتي بعد العسر فحسب، بل قال:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
مع العسر؛ ففي قلب المحنة قد تتشكل أسباب النهوض، وتحت الركام قد يولد جيل جديد، ومن رحم الفقد قد تنشأ إرادة أشد صلابة.
ولهذا لا تُقرأ غزة من خلال ركامها وحده.
نعم، هُدمت البيوت، ولكن الحياة لم تُهدم.
وتضررت المساجد، فارتفعت الصلاة من الخيام.
وتعطلت المدارس، فعاد الطفل يبحث عن كتابه حيث استطاع.
وأُنهكت المستشفيات، وظل الطبيب واقفًا بما بقي بين يديه.
وفقدت العائلات أحبتها، لكنها بقيت تحمل أسماءهم وذكراهم وتواصل الحياة.
هذه ليست رومانسية للألم؛ بل شهادة على أن الإنسان يستطيع أن يُحاصر في المكان، دون أن يسمح للحصار أن يستوطن روحه.
الأمل الذي يعمل
والبشارة القرآنية لا تعني أن نغلق أعيننا وننتظر المعجزة؛ فبعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ جاء الأمر:
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8].
وهكذا تكتمل المعادلة: يقين بالله، وعمل في الأرض.
أن تعلم طفلًا في الخيمة لأنك تؤمن أن له مستقبلًا؛ أمل.
أن تعالج جريحًا لأنك تؤمن بقيمة الحياة؛ أمل.
أن تصلح بين الناس لأنك تؤمن بأن المجتمع يجب أن يبقى متماسكًا؛ أمل.
أن تخطط للإعمار والركام ما زال قائمًا؛ أمل.
أن تزرع في أرض أنهكتها الحرب، فأنت تقول بالفعل قبل القول: إن لنا غدًا.
وهنا يصبح الأمل في غزة مشروعًا للبقاء والنهوض، لا مجرد حالة وجدانية.
السكينة في قلب العاصفة
ومن ثمار هذا اليقين أن ينزل الله على القلب سكينة لا تلغي الخوف، لكنها تمنعه من قيادة الإنسان:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4].
فالسكينة ليست أن تتوقف العاصفة؛ بل أن يبقى القلب ثابتًا وهي تعصف.
وليست إنكار الخطر؛ بل ألا يتحول الخطر إلى هزيمة داخلية.
رسالة من غزة
يا أهل غزة...
ليس الاستبشار أن نقول إن الجرح صغير؛ فالجرح عظيم.
ولا أن نقول إن الطريق قصير؛ فقد يطول.
ولا أن نزعم أننا نعرف متى يأتي الفرج؛ فذلك علمه عند الله.
ولكن الاستبشار أن نوقن بأن قسوة اللحظة لا تمنحها حق كتابة الفصل الأخير.
فلا تجعلوا الركام يحجب المستقبل، ولا طول المحنة يقتل الرجاء، ولا أصوات اليأس تقنعكم بأن ميزان اليوم هو ميزان الأبد.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139].
وقال:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
وقال:
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
ثم وضع فوق لحظات الاستيئاس كلها ذلك الإعلان الخالد:
﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110].
هذه هي رسالة البشارة من محرقة غزة: قد يُهدم البيت، فلا يُهدم الأمل؛ وقد تضيق الأرض، ولا تضيق رحمة الله؛ وقد يطول الليل، لكنه لا يستطيع إلغاء الفجر.
فلا تجعلوا شدة الليل حجةً لإنكار الفجر؛ اعملوا بما تستطيعون، واثبتوا بما تملكون، واستبشروا بما عند الله؛ فالفصل الأخير من الحكاية لا تكتبه القوة ولا الحصار ولا الركام... وإنما يكتبه رب العالمين.

