فلسطين أون لاين

غزة بين الاتفاق وتفاهمات نتنياهو- كوشنير

لم تعد المشكلة في قطاع غزة مقتصرة على الخروقات الإسرائيلية المتواصلة أو تأخير تنفيذ بعض البنود، بل أصبحت مرتبطة بجوهر الاتفاق نفسه، وبمحاولة نتنياهو إعادة صياغته وفق الرؤية الإسرائيلية، بما يحوله من اتفاق متكامل إلى تفاهمات جزئية تنفذ منها إسرائيل ما تريد، وتؤجل ما لا يناسبها.

منذ البداية، كان الموقف الفلسطيني واضحاً، وخاصة موقف حركة حماس، بأن الاتفاق لا يمكن التعامل معه كقائمة انتقائية، بل كحزمة مترابطة جرى التوصل إليها عبر الوسطاء وبرعاية أمريكية ودولية، وأن أي إخلال ببند أساسي منه يعني عملياً الإخلال بالاتفاق كله.

لكن ما يجري اليوم يشير إلى مسار مختلف. 
نتنياهو يتعامل مع التفاهمات وكأنها أصبحت خلف ظهره، فيما تتحول العلاقة إلى تفاهمات أمريكية–إسرائيلية بشأن إدارة الهدوء في غزة، وليس إلى تنفيذ اتفاق سياسي يقود إلى إنهاء السيطرة الإسرائيلية.

الأخطر في هذا المسار هو محاولة تغييب اللجنة الإدارية الفلسطينية، وغياب جهة أمنية فلسطينية واضحة، مع الإبقاء على ملفات المياه والطاقة والمعابر والخدمات والاحتياجات المدنية تحت السيطرة الإسرائيلية. هنا لا نتحدث عن انسحاب حقيقي، بل عن إعادة إنتاج الاحتلال بطريقة أكثر تعقيداً؛ انسحاب جزئي من بعض المناطق، مقابل استمرار التحكم في مفاتيح الحياة داخل القطاع.

وهذا يعني أن إسرائيل قد تتحول من قوة موجودة داخل غزة إلى قوة تدير غزة من الخارج، وتتحكم في معابرها وطاقة سكانها ومياههم واحتياجاتهم وإعادة إعمارهم.

الموقف الفلسطيني في المقابل ليس سهلاً. 
إعادة فتح الاتفاق للتفاوض من جديد قد تعني مزيداً من التنازلات، في وقت لم يعد فيه الكثير ليقدمه الفلسطينيون، بينما القبول بتنفيذ انتقائي يمنح إسرائيل عملياً حق تحديد ما ينفذ ومتى ينفذ، ويحول الاتفاق إلى أداة بيد الاحتلال.

وهنا تبرز مسؤولية الوسطاء، وخاصة مصر وقطر وتركيا. 
*البيانات التي تدين الانتهاكات الإسرائيلية وتثمن الموقف الفلسطيني مهمة، لكنها لا تكفي ما لم تتحول إلى ضغط سياسي حقيقي* يضمن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه كاملاً.

أما المسؤولية الأكبر فتقع على الولايات المتحدة، التي كانت شريكاً وضامناً في صياغة التفاهمات. 
فإذا سمحت لنتنياهو بإعادة تفسيرها وفق مصالحه، فإننا نكون أمام انهيار فعلي لفكرة الضمانات الدولية.

ولا يمكن فصل كل ذلك عن الانتخابات الإسرائيلية. نتنياهو ينظر إلى غزة من زاوية حساباته الداخلية، ويحاول الاحتفاظ بأوراق القوة والسيطرة حتى صندوق الاقتراع، في حين تبدو واشنطن حذرة في ممارسة ضغط حقيقي عليه.

*المعركة اليوم إذن ليست حول بند هنا أو هناك، بل حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل يقود الاتفاق إلى إنهاء السيطرة الإسرائيلية فعلاً، أم يتحول إلى غطاء جديد لترسيخها؟*

الخطر الحقيقي أن يتحول ما كان يفترض أن يكون طريقاً للانسحاب وإنهاء الحرب إلى صيغة جديدة لإدارة الاحتلال، أقل ظهوراً على الأرض، لكنها أكثر إحكاماً في السيطرة على مستقبل غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين