بعد عام من إعلان وقف إطلاق النار في غزة، لا يحتاج الفلسطيني إلى خبير يخبره إن كانت الحرب قد انتهت؛ يكفي أن ينظر إلى عدد الشهداء بعد الاتفاق، وإلى الخيام الممتدة فوق أنقاض الأحياء، وإلى البيوت التي ما زالت تُهدم أو تنهار، والمستشفيات التي تعمل بنصف قدرتها، والعائلات التي لم تجد مكانًا تعود إليه.
وقف إطلاق النار أوقف الحرب الإسرائيلية الواسعة، لكنه لم يوقف الموت، ولم يُعد الحياة، ولم ينقل غزة فعليًا إلى مرحلة ما بعد الحرب.
الأرقام تكشف حجم المفارقة. فمنذ إعلان الاتفاق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى 23 سبتمبر/أيلول 2026، أفادت وزارة الصحة في غزة بارتقاء 1,402 فلسطيني وإصابة 4,881 آخرين. هذه ليست أرقام الحرب الشاملة التي عاشتها غزة لعامين، لكنها بالتأكيد ليست أرقاما فقط.
والتدمير لم يتوقف عند لحظة توقيع الاتفاق. فحتى منتصف يونيو/حزيران 2026، رصدت الأمم المتحدة تضرر نحو 201 ألف مبنى، أي قرابة 82% من مباني القطاع، بينها أكثر من 134 ألف مبنى مدمر، إضافة إلى تضرر أكثر من 328 ألف وحدة سكنية. بل ارتفع عدد المباني المصنفة مدمرة مقارنة بتقييم أكتوبر 2025.
بعد عام، ما زال 94% من سكان غزة بحاجة إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى والاحتياجات الأساسية، و65% من الأسر تعيش في خيام أو مساكن مؤقتة.
وفي الوقت نفسه، ما زالت القيود على المعدات ومواد البناء وقطع الغيار والمولدات تعرقل الانتقال من الإغاثة إلى التعافي، في تعمل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه بمنطق الطوارئ.
أما *ما سُمّي «مجلس السلام»، الذي أُنشئ للإشراف على ترتيبات غزة وإعادة الإعمار، فلم يتحول حتى الآن إلى تغيير يلمسه الفلسطيني في حياته اليومية*.
بقيت الخطط أكبر من الإنجازات، والأسئلة بشأن التمثيل الفلسطيني والسيادة والإعمار والانسحاب أكبر من الإجابات.
*بعد عام، تبدو غزة كأنها انتقلت من الحرب المفتوحة إلى إدارة طويلة للأزمة*: قتل أقل كثافة لكنه مستمر، نزوح لم ينتهِ، إعمار مؤجل، ومساعدات تمنع الانهيار لكنها لا تعيد الحياة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الالتزام بنص اتفاق: *ما قيمة وقف إطلاق النار إذا بقي الفلسطيني يُقتل، والنازح في خيمته، والبيت ركامًا، والإعمار معلقًا، والحياة محكومة بالطوارئ؟*
وقف النار الحقيقي لا يبدأ عندما تصمت المدافع الكبيرة فقط، بل عندما يتوقف الموت، ويعود النازح إلى بيته، ويبدأ الإعمار، وتستعيد المستشفيات والمدارس والمياه والكهرباء حياتها الطبيعية.
بعد عام، لا تريد غزة اتفاقًا يُدير معاناتها بهدوء أكبر؛ تريد نهاية حقيقية للحرب. فالمشكلة لم تعد فقط في أن الحرب قد تعود، بل في أن آثارها وقيودها قد تتحول إلى واقع دائم يحمل اسم «وقف إطلاق النار».

