في أوقات الحرب، يظن كثيرون أن الدعم النفسي يحتاج إلى متخصص، أو إلى جلسة علاجية، أو إلى كلمات كبيرة ومؤثرة.
لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من الإسناد النفسي يحدث في تفاصيل صغيرة، قد لا ينتبه إليها صاحبها، في حين تترك أثرًا عميقًا في نفس من يتلقاها.
ففي زمن الأزمات، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى من يحل مشكلته، بقدر ما يحتاج إلى من يشعره أنه ليس وحده.
🍀 أحيانًا.. يكفي أن تُنصت
من أكثر الأخطاء شيوعًا أننا نظن أن كل حديث عن الألم يحتاج إلى نصيحة.
فنقاطع، ونحلل، ونقترح الحلول، في حين كان الطرف الآخر يريد شيئًا أبسط بكثير..
أن يجد من يسمعه.
فالإنصات ليس صمتًا فقط، بل رسالة تقول:
"أنا هنا.. وأفهم أنك تتألم."
وأحيانًا، تكون هذه الرسالة أكثر علاجًا من عشرات النصائح.
🍀 الكلمة الطيبة ليست مجاملة
قد تبدو عبارة مثل:
"الحمد لله على سلامتك."
أو:
"وجودك بيننا نعمة."
كلمات عادية.
لكنها، بالنسبة لشخص خرج للتو من تجربة قاسية، قد تعيد إليه شعورًا افتقده منذ زمن:
أنه ما زال مرئيًا، وما زال له مكان في قلوب الناس.
الكلمات لا تُغيّر الواقع، لكنها قد تُغيّر طريقة الإنسان في احتماله.
🍀 لا تقلل من مشاعر الآخرين
من العبارات التي تُقال بحسن نية:
"هناك من هو أسوأ منك."
"لا تستحق كل هذا الحزن."
"كن قويًا."
لكن هذه الكلمات قد تحمل رسالة خفية:
"مشاعرك غير مبررة."
والإنسان لا يحتاج في لحظة ألمه إلى تقييم مشاعره، بل إلى الاعتراف بها.
الاعتراف بالألم لا يزيده.. بل يخفف من وطأته.
🍀 المساندة ليست دائمًا كلامًا
في غزة، تعلّم الناس أن الدعم قد يكون فعلًا صغيرًا:
👈 طبق طعام يصل إلى جارٍ متعب.
👈 اتصال هاتفي للاطمئنان.
👈 زيارة قصيرة.
👈 مساعدة في رعاية طفل.
👈 تقاسم ما تيسر من الماء أو الخبز.
هذه التصرفات تبدو بسيطة، لكنها تقول للآخر:
"لست وحدك في هذه المحنة."
وهذا الشعور وحده قد يصنع فرقًا كبيرًا.
🍀 امنح الناس مساحة ليكونوا كما هم
ليس كل من يبتسم بخير.
وليس كل من يبكي ضعيفًا.
في الأزمات، تختلف طرق التعبير عن الألم.
هناك من يتحدث كثيرًا.
وهناك من يصمت.
وهناك من يضحك ليخفي خوفه.
واحترام هذه الفروق، دون إصدار أحكام، هو أحد أجمل أشكال الإسناد النفسي.
🍀 لا تنسَ الأطفال
الطفل لا يحتاج إلى إجابات لكل الأسئلة.
لكنه يحتاج إلى يد تمسك بيده.
إلى حضن يشعره بالأمان.
إلى ابتسامة تقول له إن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت تتسع للأمل.
إن أكثر ما يحمي الطفل ليس غياب الخطر، بل وجود شخص يشعر معه بالأمان.
🍀 واحرص على من يساندون الآخرين
في كل مجتمع، هناك أشخاص يحملون هموم الجميع:
👈 الأم..
👈 المعلم..
👈 الطبيب..
👈 المسعف..
👈 المرشد النفسي..
هؤلاء اعتادوا أن يكونوا مصدر قوة للآخرين، لكنهم هم أيضًا يحتاجون إلى من يسألهم:
"كيف حالك أنت؟"
فمن يُسند الناس، يحتاج بدوره إلى من يُسنده.
🍀 الخاتمة
قد لا نستطيع أن نوقف الحرب.
ولا أن نمنع الألم.
لكننا نستطيع أن نخفف من شعور الإنسان بأنه يواجههما وحده.
فالإسناد النفسي لا يبدأ في العيادات، بل يبدأ في البيوت، وفي الشوارع، وبين الجيران، وفي كل موقف يختار فيه إنسان أن يكون رحيمًا بإنسان آخر.
وربما لهذا، فإن أعظم أشكال القوة في زمن الحرب ليست أن يتحمل كل واحد منا وحده..
بل أن نتقاسم الحمل، حتى يصبح أخف على الجميع.

