ليس المقصود من التربية أن نجعل أبناءنا يمرون بسلام من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد، وإنما أن نُعِدَّهم لحمل رسالة في الحياة.
تُنسب إلى بعض السلف عبارة مؤثرة مفادها أن المرأة كانت إذا أرضعت طفلها استحضرت نية أن يكون عالمًا أو فارسًا أو قائدًا، في حين أصبحت هموم كثير من الناس اليوم أن ينام الطفل بهدوء، أو يكف عن البكاء، أو ينجح في الامتحان، أو يحصل على وظيفة مريحة.
وسواء صحت هذه الرواية أم لم تصح، فإن معناها التربوي يستحق التأمل.
فالإنسان كثيرًا ما يصبح على قدر التوقعات التي تُرسم له.
والطفل الذي ينشأ في بيت يسمع منذ صغره: "ستكون صاحب رسالة"، و"ننتظر منك أن تنفع أمتك"، و"خُلقت لأمر عظيم"، يختلف عن طفل لا يسمع إلا: "لا تُزعجنا"، و"اجلس ساكتًا"، و"المهم أن تنجح وتعيش حياتك".
إن الفرق بين الأجيال لا يبدأ في الجامعة، ولا في ميدان العمل، بل يبدأ من البيت، ومن الصورة الذهنية التي يرسمها الأبوان لمستقبل أبنائهما.
وتُنسب إلى أم معاوية بن أبي سفيان أنها لما قيل لها وهي تلاعب ولدها معاوية: "لعله يسود قومه"، أجابت: "ثكلته أمه إن لم يسد الدنيا."
وسواء ثبتت هذه الرواية أو لم تثبت، فإنها تعكس عقلية ترى في الطفل مشروعًا كبيرًا، لا مجرد فرد يؤدي الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ولذلك كان كثير من الأمهات والآباء في تاريخ الأمة يغرسون في أبنائهم معاني القيادة، والعلم، والشجاعة، وتحمل المسؤولية، لا لأن كل أبنائهم أصبحوا قادة، وإنما لأن سقف الطموح كان مرتفعًا.
أما حين يصبح أكبر طموحنا أن يكون الابن هادئًا، أو ألا يسبب لنا المتاعب، أو أن يحصل على راتب آخر الشهر، فإننا – من حيث لا نشعر – نربيه على الاكتفاء، لا على المبادرة، وعلى السلامة، لا على الرسالة.
ولا يعني هذا أن كل طفل يجب أن يكون قائدًا سياسيًا أو قائدًا عسكريًا؛ فالأمة تحتاج إلى العالم، والطبيب، والمهندس، والمربي، والمصلح، ورجل الأعمال الأمين، كما تحتاج إلى القائد.
لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو أن يعيش الإنسان حاملًا رسالة، لا مجرد باحث عن راحة.
إن التربية تبدأ من الفكرة التي يحملها الوالدان عن ابنهما، ثم تتحول إلى كلمات، ثم إلى سلوك، ثم إلى شخصية، ثم إلى مستقبل.
✋ فاسأل نفسك: عندما تنظر إلى طفلك.. ماذا ترى؟
هل ترى طفلًا تريد أن يكبر بأقل قدر من الإزعاج؟
أم ترى مشروع إنسان قد يغيّر شيئًا في أمته، ويترك أثرًا يبقى بعد رحيله؟
فالأمم العظيمة لا تُصنع في قصور الحكم أولًا، وإنما تُصنع في أحضان الأمهات، وفي البيوت التي تؤمن أن أبناءها خُلقوا ليضيفوا إلى الحياة، لا ليستهلكوها.

