فلسطين أون لاين

حاسبوهم عبر صندوق الانتخابات

بعد كل ما مرّ به الشعب الفلسطيني من حرب ودمار ونزوح وفقدان وحرمان، لم يعد مقبولًا أن يبقى تقييم القوى السياسية قائمًا على الشعارات، أو الاتهامات المتبادلة، أو رواية كل طرف عن نفسه. الناس عاشوا التجربة بأنفسهم، ورأوا بأعينهم من اقترب منهم ومن ابتعد، ومن حمل همومهم في أصعب الأيام، ومن امتلك القدرة على المبادرة والخدمة وتحمل المسؤولية، ومن اكتفى بالخطاب.

ولهذا، فإن الطريق الأكثر عدلًا ووضوحًا للمحاسبة هو صندوق الانتخابات.

الانتخابات ليست مكافأة لفصيل ولا عقابًا لفصيل، وليست وسيلة لتصفية الحسابات، بل هي حق للشعب وآلية سلمية لتجديد الشرعية. من يعتقد أنه مثّل الناس جيدًا، فليتقدم إليهم ويطلب ثقتهم، ومن يرى أن لديه مشروعًا أفضل، فليطرحه أمامهم، وفي النهاية يكون المواطن هو الحكم. لا سلطة ولا مال ولا إرث تنظيمي ينبغي أن يكون أقوى من صوت الناخب.

آخر انتخابات تشريعية فلسطينية جرت في 25 يناير/كانون الثاني 2006، لانتخاب المجلس التشريعي الثاني المكوّن من 132 مقعدًا. ووفق النتائج الرسمية للجنة الانتخابات المركزية، حصلت قائمة «التغيير والإصلاح» التابعة لحماس على 74 مقعدًا، وحركة فتح على 45 مقعدًا، وقائمة الشهيد أبو علي مصطفى التابعة للجبهة الشعبية على 3 مقاعد، في حين حصلت كل من «الطريق الثالث» و«البديل» و«فلسطين المستقلة» على مقعدين، وفاز مستقلون بأربعة مقاعد. وبلغت نسبة الاقتراع يومها 77.69%.

كانت تلك النتائج تحولًا واضحًا في المشهد السياسي الفلسطيني، إذ منحت «التغيير والإصلاح» أغلبية مقاعد المجلس التشريعي. لكنها بقيت، بعد أكثر من عشرين عامًا، آخر انتخابات تشريعية عامة فلسطينية. وفي يناير/كانون الثاني 2021، صدر مرسوم لإجراء انتخابات تشريعية جديدة في 22 مايو/أيار، قبل أن يجري تأجيل العملية الانتخابية في 30 أبريل/نيسان 2021 إلى حين توافر شروط إجرائها في كامل الأراضي الفلسطينية، ولا سيما القدس.

ومنذ انتخابات 2006، تبدل الكثير. نشأت أجيال فلسطينية كاملة لم تتح لها فرصة اختيار ممثليها في المجلس التشريعي، وتراكمت أحداث وانقسامات وحروب وأزمات غيّرت نظرة المواطن إلى السياسة والقيادة والمسؤولية.

وبعد الحرب الأخيرة تحديدًا، أصبح لدى الناس ما يكفي من التجربة للحكم بأنفسهم.

لقد عرف المواطن من وقف إلى جانبه، ومن حمل قضيته، ومن سعى لتخفيف ألمه، ومن كان حاضرًا بين الناس، كما عرف من غاب عنه أو قصّر في واجبه. وليس المطلوب أن يفرض طرف على الناس تفسيره لما حدث؛ بل أن يُترك المواطن الفلسطيني حرًا ليترجم حكمه إلى صوت داخل الصندوق.

اختاروا من ترونه جديرًا بالثقة.

اختاروا أصحاب الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس، ومن يقدمون المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية. وليكن السؤال عند الاختيار: من يستطيع أن يحمل هموم الناس؟ من لديه برنامج لإعادة البناء وحماية الحقوق وإصلاح المؤسسات؟ من يستطيع أن يجمع الفلسطينيين بدل أن يزيد انقسامهم؟ ومن يقبل بالمحاسبة وتداول السلطة؟

وفي الوقت ذاته، لا ينبغي تحويل معاناة الناس إلى دعاية انتخابية؛ فالوقوف مع المواطن واجب وليس منّة، والتضحية أو التاريخ أو الانتماء التنظيمي لا يمنح أي جهة شيكًا مفتوحًا للحكم إلى الأبد. كل من يريد ثقة الناس عليه أن يعود إليهم، ويعرض برنامجه عليهم، ويقبل بحكمهم.

لذلك، فإن الانتخابات المطلوبة ليست مجرد صناديق توضع في المدارس ومراكز الاقتراع، بل انتخابات عامة حقيقية ونزيهة وشاملة، تتيح التنافس للجميع ضمن قواعد واحدة، وتضمن حرية الناخب والرقابة على العملية، وتلزم الجميع باحترام النتيجة. وينبغي أن تشمل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ضمن ما تسمح به الأطر القانونية والسياسية للعملية الانتخابية.

لقد أرهق الفلسطينيين الانقسام، وأرهقتهم لغة التخوين والمناكفات وتبادل المسؤوليات.

فليكن الشعب هو الفيصل.

افتحوا الطريق أمام الانتخابات، وضعوا البرامج والوجوه والتجارب أمام الناس، ومن صمد وخدم وأحسن سيجد أثر ذلك في ثقة الناخبين، ومن قصّر أو غاب أو قدّم مصالحه على مصالح الناس، فليحاسبه الشعب عبر صندوق الاقتراع.

فالشعب الذي دفع كل هذه الأثمان يستحق أن يختار من يمثله، وأن يمنحه ثقته لفترة محددة، ثم يعود ليحاسبه من جديد.

الاختيار اليوم يتطلب عقلًا لا عصبية، وبرنامجًا لا شعارًا، ومصلحة الناس فوق كل اعتبار.

وليكن صندوق الانتخابات هو الفيصل بين جميع مكونات الشعب الفلسطيني؛ ففلسطين أكبر من الفصائل، وإرادة الناس يجب أن تكون فوق الجميع.

المصدر / فلسطين أون لاين