حين تضيق الأرض بمن عليها وتتحول سماء غزة إلى كتلة من نار، لا يسع المرء إلا أن يقف إجلالاً لمن صنعوا من ركام الألم جسورا للحياة. في زمن الإبادة المفتوحة التي تضرب قطاع غزة، حيث الموت يتربص بالسكان، يسطر رجال الدفاع المدني ملاحم بشرية تفوق الخيال؛ جنود ظل يحفرون في الصخر بأكفهم العارية، يصارعون الموت لانتزاع أرواح الأبرياء من تحت أنقاض البيوت المتهدمة.
من بين هؤلاء الأبطال الذين ترجلوا ولم ينكسروا، يبرز اسم رجل الدفاع المدني حازم الدهشان (49 عامًا)، الذي وضع روحه على كفه، وتحول إلى شاهد حي على أبشع جرائم الاحتلال وأعظم صور الفداء الإنساني.
وفي حوار أجرته معه "صحيفة فلسطين"، يفتح الدهشان دفاتر الذاكرة الدامية، ليروِي تفاصيل أيام وليالٍ يعجز العقل عن الإحاطة بقسوتها.
قصف مزدوج ومعجزة إنقاذ
يستحضر الدهشان واحدة من أقسى المهمات التي عايشها، والتي بدأت بعد منتصف الليل إثر بلاغ من غرفة العمليات بقصف منزل لعائلة الرياشي في منطقة تل الهوا، جنوبي مدينة غزة، بالقرب من الإذاعة والتلفزيون.
يروي بصوت يمزجه الفخر والألم: "بصراحة، كل إشارة كنا نخرج إليها كانت صعبة جدًا، ألم كبير وخوف. تحركت أنا ومدير المركز نقود سيارة إنقاذ وإسعاف في شوارع مظلمة يملؤها القصف وطيران الاستطلاع في كل مكان".
وتابع: "عند الوصول، كانت الفاجعة؛ مبنى مؤلف من خمسة طوابق سويت بالأرض بالكامل، والجيران يصرخون، بينما تناثرت أشلاء الشهداء والجرحى في محيط المكان، وعلت أصوات الاستغاثة لأحياء تحت الأنقاض. بدأت الطواقم فورًا بمهام النقل والبحث، وتمكنت من إخراج امرأة مصابة بإصابات بالغة وهي تنزف، لتصرخ بصوت متقطع: هناك زوجي وأولادي تحت الردم".
وأضاف: "تواصلت عمليات الحفر اليدوي بكل ما تملكه الطواقم من إمكانيات ضئيلة، وما هي إلا لحظات حتى اقترب المنقذون من أحد العالقين، فإذا بصاروخ استطلاع إسرائيلي يستهدف المكان مباشرة. أُصيب اثنان من الزملاء ونقلا إلى المستشفى، ليقف الفريق أمام خيار مرعب وقاس للغاية: هل ينسحبون أم يواصلون العمل؟".

يقول الدهشان: "كل دقيقة تمر لم تكن لصالح الأحياء تحت الركام. أخذت أنا وقائد المركز القرار باستكمال المهمة. كان العمل شاقًا وليلة مظلمة والطيران فوق رؤوسنا. نجحنا في إنقاذ طفلة عمرها 12 عامًا كانت تمسك بيدي وتقول لي أمانة: "بشويش يا عمو، رجلي بوجعوني ومش حاسة فيهم"، وأنقذنا شابًا آخر كان يردد: "أمانة بالراحة، بديش أموت".
ويستكمل: "بفضل الله، تواصل العمل حتى الساعة الثامنة صباحًا، وتم إخراج أربعة أشخاص أحياء وسط تكبيرات وفرحة غامرة عمت المكان".
فقدان الرفاق ووجع الميدان
لا تتوقف قسوة الميدان عند جحيم القصف، بل تمتد إلى فقدان الأحبة ورفاق الدرب. يصف الدهشان شعور فقدان الزميل الذي تشارك معه رغيف الخبز، وساعات النوم والعمل على مدار الساعة، قائلاً: "ما بالك بشخص تعمل معه في الميدان على مدار الساعة، تأكل وتنام وتخرج معه في كل المهمات، وفجأة تفقد هذا الشخص؟ اللحظات الأولى تكون صدمة لا توصف، لكننا في النهاية نستسلم لأمر الله. كل شهيد كنا نفقده كان يعطينا القوة والإصرار والعزيمة والعهد على مواصلة العمل الإنساني".
ويكشف الدهشان عن فصل آخر من فصول الجريمة الإسرائيلية، وتتمثل بسياسة التجويع والحصار الشامل التي فرضها الاحتلال على قطاع غزة وخاصة مناطق الشمال؛ إذ واجهت طواقم الدفاع المدني ظروفًا قاسية للغاية من جراء شح الطعام والماء والإرهاق المتواصل على مدار الساعة. ومن شدة الجوع والجهد، نقل العديد من العناصر مباشرة إلى المستشفيات، وبالرغم من ذلك، كانت كل روح تنقذ من تحت الركام تمنحهم طاقة روحية ومضاعفة لتجاوز ألم الجوع ومواصلة الدرب الإنساني.
الوداع الصعب ونداء الواجب
منذ اليوم الأول للحرب، تلقى الدهشان الاتصال للالتحاق بموقع الطوارئ. كان الوداع عائليًا ومبكرًا، حيث أبلغ زوجته وأولاده بصعوبة الموقف، وساد البكاء لحظات الفراق قبل أن يتفهم الجميع طبيعة الواجب المقدس. كان يقضي أسبوعًا كاملاً في مركز العمليات، ولا يعود لبيته سوى يومي الخميس والجمعة للاطمئنان على أهله.
ولا ينسى الدهشان مهمة حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة، بالقرب من مسجد صلاح الدين، حيث استهدف منزل مكون من ستة طوابق، وعلق تحته أشخاص كانوا على قيد الحياة. وبسبب انعدام المعدات الثقيلة، اعتمدت الطواقم على الأدوات الخفيفة والبسيطة المتاحة، ورغم الجهد الجبار والوقت الطويل الذي بذل، إلا أن العجز عن توفير الآليات حال دون إنقاذهم، ليرتقي العالقون شهداء أمام أعين الطواقم المكسورة الأمل.
كارثة شارع الجلاء
في محطة أخرى، يصف الدهشان حجم الدمار الهائل حين أبلغ باستهداف مربع سكني كامل في شارع الجلاء: "عند وصولنا للمكان، لم أصدق ما رأيت؛ ما يقارب 30 منزلاً في مربع واحد سويت بالأرض تمامًا، تهت في المكان من هول المصيبة وكثافة الدمار".
وبالرغم من شح الإمكانات واستهداف الاحتلال المباشر للسيارات والمراكز والمعدات وطواقم الإسعاف، يؤكد الدهشان بيقين قاطع: "نحن في جهاز الدفاع المدني قدمنا كل ما نملك لخدمة أبناء شعبنا، صمدنا وعملنا بأقل الإمكانيات، وحفرنا في الصخر بأيدينا. وكل روح أنقذناها تحت الأنقاض كانت تزيدنا إصرارًا وعزيمة".

