في قطاع غزة، الذي يعيش أزمة سيولة غير مسبوقة، قد لا يحتاج الأمر إلى قرار رسمي بإلغاء ورقة نقدية حتى تبدأ بفقدان جزء من قيمتها الفعلية؛ يكفي أن تنتشر الشكوك بشأنها، وأن يرفضها تاجر، ويتردد مواطن في قبولها، ويعرض صراف استبدالها بعمولة مرتفعة، حتى تتحول المخاوف إلى أزمة اقتصادية حقيقية.
من هنا يجب قراءة التحذيرات الإسرائيلية المتداولة بشأن بعض الطبعات القديمة من الشيكل. فالمسألة تتجاوز صلاحية ورقة نقدية بعينها إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا يحدث عندما تُضرب الثقة بالنقد في اقتصاد يعاني أصلًا شحاً شديداً في السيولة؟
منذ بداية الحرب، تعرض اقتصاد غزة لضغوط هائلة: تدمير المنشآت والأسواق، تعطيل الإنتاج، تراجع النشاط التجاري، وتضرر أجزاء واسعة من المنظومة المصرفية، بالتوازي مع صعوبة إدخال السيولة النقدية واستبدال الأوراق المهترئة.
وفي هذه البيئة، تصبح الشائعة النقدية أشبه بحجر يُلقى في مياه مضطربة أصلًا.
فالعملة لا تستمد قوتها من الرقم المطبوع عليها فقط، وإنما من ثقة الناس بها وقبول السوق لها. فإذا خشي المواطن الاحتفاظ بورقة نقدية، ورفض التاجر استقبالها، وبدأ الصراف في استبدالها بأقل من قيمتها، فإنها تكون قد خسرت فعليًا جزءًا من قوتها الشرائية، حتى قبل حدوث أي تغيير رسمي في وضعها النقدي.
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر: الشك يؤدي إلى الرفض، والرفض يرفع عمولة الاستبدال، والعمولة تخفض القيمة الفعلية لما يملكه المواطن، ثم يؤدي خروج جزء من الأوراق من التداول إلى تعميق أزمة السيولة.
ويفتح ذلك أيضًا الباب أمام المضاربة على خوف الناس. فقد يظهر من يشتري الورقة التي تبلغ قيمتها 200 شيكل بمبلغ أقل، مستفيدًا من خشية صاحبها من أن تصبح بلا قيمة. وهكذا قد يخسر المواطن جزءًا من ماله ليس لأن العملة أُلغيت، بل لأنه خاف من احتمال إلغائها.
لذلك ينبغي الفصل بوضوح بين التحذيرات المتداولة وبين القرارات النقدية الرسمية. فأي عملية لسحب طبعة نقدية تحتاج، عمليًا، إلى إعلان واضح من الجهة النقدية المختصة، وفترة انتقالية، وآليات لاستبدال القديم بالجديد، وشبكة مصرفية قادرة على تنفيذ العملية، فضلًا عن توفير السيولة البديلة.
وهذه المتطلبات تواجه أصلًا صعوبات استثنائية في غزة.
فكيف يمكن سحب جزء من النقد من سوق يعاني نقصًا حادًا فيه؟ وأين سيستبدل المواطن أوراقه إذا كانت قدرة البنوك على العمل محدودة؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا اضطر الناس إلى بيع أموالهم بأقل من قيمتها؟
هنا تبرز مسؤولية سلطة النقد الفلسطينية والمصارف والمؤسسات الاقتصادية في التحرك المبكر، وإصدار توضيحات دقيقة تمنع الإشاعة من التحول إلى حقيقة سوقية، إلى جانب الضغط لتوفير السيولة ومعالجة مشكلة الأوراق المهترئة.
كما تقع مسؤولية على التجار والصرافين بعدم تحويل الخوف إلى سوق للمضاربة، وعلى المواطنين بعدم التسرع في التخلص من أي ورقة بأقل من قيمتها دون قرار رسمي واضح.
المعركة إذن ليست على ورقة نقدية قديمة، بل على الثقة بالنقد.
وفي غزة، حيث أصبح الحصول على السيولة تحديًا يوميًا، فإن ضرب هذه الثقة قد يكون أحيانًا أشد أثرًا من سحب العملة نفسها.
فعندما يخشى المواطن الورقة التي في جيبه، ويرفضها التاجر، ويشتريها المضارب بأقل من قيمتها، تكون أزمة جديدة قد صُنعت دون الحاجة إلى إلغاء الورقة أصلًا.

