لا تزال العملية التعليمية في قطاع غزة تواجه أزمة كبيرة، فبالرغم من كل الجهود المبذولة لتوسيع النقاط المدرسية داخل المدارس التي تحولت لمراكز إيواء، أو في النقاط التعليمية الأخرى، فإن الواقع الصعب وتجمع النازحين بمناطق معينة أوجدا حالة من الاكتظاظ داخل تلك النقاط، ما يدفع بالطلاب للوصول لنقاط بعيدة للتسجيل.
وإضافة إلى هذه المشكلة، يشتكي الأهالي في القطاع من رفع مدارس خاصة أسعار التسجيل بصورة تفوق قدراتهم، ما يثير تساؤلات بشأن تحول هذه النقاط لمؤسسات ربحية أكثر من البحث عن جودة التعليم.
قبل أيام ذهب إسماعيل أبو بيض وهو بالصف التاسع للتسجيل في إحدى النقاط التعليمية القريبة للموسم الدراسي الذي من المقرر انطلاقه الشهر القادم، ليتفاجأ بأن العدد امتلأ في النقطة التعليمية الحكومية، وفي العام الماضي لم يستطع الحصول على شهادة الصف الثامن ولم ينتظم بالعملية الدراسية نتيجة الخروقات الإسرائيلية وعدم الاستقرار.
ويقول أبو بيض لصحيفة "فلسطين": "حاولت التسجيل لكن العدد ممتلئ، وأحيانا تكون النقطة التعليمية بعيدة، لذلك سجلت لدى مدرسة وأذهب إليها للدراسة والمذاكرة".
فاقد كبير
ويقول محمود حلس الذي يسكن بأحد مخيمات الإيواء بمدينة غزة: إن "الفاقد التعليمي كبير جدًا. أبنائي كانوا متفوقين بشكل كبير قبل الحرب، لكنهم خلال فترة انقطاعهم عن التعليم فقدوا الكثير مما تعلموه، خصوصًا في المراحل التعليمية الأولية، ولم يحصلوا على التراكم المعرفي الكافي".
ولجأ حلس إلى المدرسة الخاصة المنتظمة لتعليم أبنائه لأن نقاط التعليم لا تعمل بانتظام، فالدراسة فيها تكون يومًا بعد يوم ولمدة ساعتين تقريبًا، بينما في المدرسة الخاصة يداوم الطلاب من السبت إلى الخميس، ويحصلون على نحو ثلاث ساعات ونصف من الدراسة يوميًا.
ويعتبر حلس في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن هذا "الفارق مهم جدًا"، لأن ساعتين من التعليم المتقطع لا تكفيان لبناء تحصيل علمي جيد، خصوصًا أن الطفل يحتاج إلى وقت للدراسة والمراجعة والتفاعل.
وحول تأثير النزوح على قدرة الطلاب على تلقي التعليم، يقول: "نحن نعيش في مخيمات وخيام من النايلون، ولا يستطيع الأب السيطرة على أبنائه فيها كما يستطيع داخل المنزل. هناك الكثير من الملهيات، والأطفال يخرجون للعب وينشغلون، وهذا ترك تأثيرًا كبيرًا على تركيزهم ورغبتهم في الدراسة".
أما يحيى أبو عودة وهو نازح من بلدة بيت حانون إلى مدينة غزة، فلم يستطع على مدار عامي الإبادة إرسال أولاده لأي من النقاط التعليمة نتيجة النزوح المستمرة، وفي العام الماضي أرسلهم إلى إحدى المدارس التابعة لـ "أونروا" القريبة وكان تلقي التعليم يتم إلكترونيا وهو ما أثر على تحصيلهم الدراسي.
وحاليا يبحث أبو عودة عن مدرسة لتسجيل أبنائه فيها، ويقول لصحيفة "فلسطين": "نعاني بشكل كبير قلة المدارس والمؤسسات التعليمية. معظم المدارس دُمرت أو تحولت إلى أماكن لإيواء النازحين، ولذلك أصبح توفير مكان مناسب للتعليم تحديًا كبيرًا. وحتى الأدوات الدراسية والكتب والأقلام أصبحت أشياء يصعب توفيرها في ظل الظروف الحالية.
ويضيف: "لدي ابن في الصف السادس وآخر في الصف الأول، وقد انقطعا عن التعليم لمدة عامين تقريبًا. في الفصل الدراسي الماضي حاولنا إدخالهما إلى مدرسة قريبة، لكن التعليم كان إلكترونيًا وعن بُعد، ولم يستفيدا منه بالشكل المطلوب. الخيمة التي نعيش فيها لا تصلح أصلًا لتوفير بيئة تعليمية مناسبة، فكيف يمكن لطفل أن يتعلم وسط هذه الظروف".
ويعمل أبو عودة موظفا حكوميا بغزة، ولم يستطع تسجيلهم بمدارس أو نقاط تعليمية خاصة، لأن الأمر يحتاج إلى رسوم وملابس ومتطلبات شخصية، غير قادر على توفيرها.
ويتابع: "نحن نعيش ظروفًا صعبة جدًا، ولم يعد لدى الأطفال الشغف نفسه للذهاب إلى المدرسة. الحرب أثرت في وعيهم، وأصبح اهتمام كثير منهم منصبًا على احتياجات الحياة الأساسية أكثر من التعليم".
مسافة كبيرة
ويضطر الطلاب أمام حجم اكتظاظ النازحين الكبير غرب مدينة غزة إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى نقاط تعليمية تناسب المرحلة الدراسية، إذ يضطر أبناء أحمد سعدي موسى لقطع مسافة كيلو متر للوصول إلى النقطة التعليمية.
ويقول موسى لصحيفة "فلسطين": "لدي ابنتان، إحداهما في الصف التاسع، واضطررت إلى تسجيلهما في مدرسة خاصة ومركز تعليمي يبعد نحو كيلومتر عن مكان نزوحنا. وفي كل مرة تذهبان فيها إلى المدرسة يبقى قلبي خائفًا عليهما من القصف والاستهداف والثانية في الصف العاشر".
ويضيف: "ابنتاي كانتا متفوقتين طوال الوقت، لكن اليوم لا يوجد تعليم بالمعنى الحقيقي. الوضع التعليمي متدهور جدًا، وهذا ترك أثرًا كبيرًا على مستواهما وعلى مستقبل آلاف الطلاب في غزة".
ويعتقد أن عقول الطلاب أصبحت فارغة من كثرة الانقطاع عن التعليم، والسؤال اليوم: كيف نملأ هذه العقول والمدارس نفسها مدمرة؟ لافتا إلى حالة من النقص في المدارس، ونقص في المعلمين، ونقص في الإدارة التعليمية، ولذلك أصبح التعليم شبه معدوم.
ووفق المدير العام للإدارات المدرسية بوزارة التربية والتعليم د. عائد الربعي، يبلغ عدد الطلبة في سن التعليم العام نحو 618 ألف طالب وطالبة، وقد تمكنت الوزارة حتى نهاية يوليو/تموز الماضي من استيعاب نحو نصف مليون طالب، سواء من خلال التعليم الوجاهي في المدارس الميدانية أو عبر التعليم الإلكتروني.
ويؤكد الربعي لصحيفة "فلسطين" أن الحرب دمرت غالبية المدارس، فيما جرى تحويل المدارس التي بقيت قائمة إلى مراكز إيواء، ولذلك كان أمام الوزارة تحدٍ كبير يتمثل في توفير أماكن لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الطلبة. وفي ظل هذه الظروف، جرى تفعيل خطة دراسية تعتمد نظام التدوير السداسي، بحيث تُستخدم الغرفة الصفية الواحدة ست مرات لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة.
ويوضح أن كل مدرسة تعمل بنظام التدوير، بحيث يداوم الطالب ثلاثة أيام، ثم يأتي فوج آخر في الأيام الثلاثة التالية. وبهذه الطريقة استطاعت زيادة القدرة الاستيعابية للمدارس الموجودة، رغم محدودية المباني والغرف الصفية.
ويضيف: " اضطررنا إلى تقليص متوسط عدد الحصص الدراسية من نحو 29 حصة أسبوعيًا إلى 12 حصة، واقتصر التدريس على المباحث الأساسية، نظرًا لمحدودية الوقت والقدرة الاستيعابية. وبالتالي، لا توجد إمكانية حاليًا لتدريس مباحث أخرى غير المباحث الأساسية بالشكل المعتاد".
ويشير إلى أن الوزارة أتاحت التعليم الوجاهي المجاني من خلال افتتاح أكثر من 174 مدرسة حكومية، إلى جانب 169 مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ليصل مجموع المدارس التي تعمل ضمن هذا الإطار إلى 327 مدرسة. وقد استوعبت هذه المدارس نحو 350 ألف طالب وطالبة، وتلقى هؤلاء تعليمهم بشكل مجاني دون تقاضي أي رسوم.
وينبه إلى وجود نوعين من التعليم، هما المدارس الخاصة والمبادرات التعليمية الخاصة، وهذان النوعان يتقاضيان رسومًا من الطلبة.
وحول ارتفاع الرسوم في بعض المدارس الخاصة، يتابع: "ما قمنا به هو إتاحة التعليم المجاني للطلبة، ومن يرغب في تعليم أبنائه في المدارس الخاصة يمكنه ذلك مقابل رسوم. لكن ما يؤلمنا فعلًا هو ارتفاع الرسوم في بعض المدارس الخاصة بصورة لا تتلاءم مع ظروف الحرب، ولا تتلاءم مع حجم المعاناة والآلام التي يعيشها أبناء شعبنا.
ويشدد على أن هناك تحديات كبيرة، أبرزها عدم وجود أراضٍ كافية لبناء مدارس ميدانية جديدة، إضافة إلى عدم قدرة وكالة الغوث على استيعاب جميع الطلبة وجاهيًا. كما أن تقليص عدد الحصص الدراسية يحول دون تدريس المباحث غير الأساسية.
ويؤكد أن الوزارة ستعمل على التوسع في إنشاء المدارس الحكومية وزيادة القدرة الاستيعابية، بما يسمح بعودة أكبر عدد ممكن من الطلبة إلى التعليم المنتظم.
كما يؤكد أن الانتظام في التعليم مهم جدًا في إعادة الحياة إلى المجتمع. التعليم هو الحياة، ولذلك فإن إعادة الطلبة إلى المدارس وانتظامهم في العملية التعليمية يمثلان جزءًا أساسيًا من استعادة الحياة الطبيعية وبناء مستقبل الأجيال القادمة.

