فلسطين أون لاين

بين ركام غزة... اختفى عمر وبقيت والدته تلاحق الأمل

...
عمر المبحوح غادر المنزل بعد أن سرت بين السكان أنباء عن انسحاب قوات الاحتلال من بعض مناطق شمال قطاع غزة فانقطع أثره تمامًا
غزة/ مريم الشوبكي:

لم يكن الخامس من يونيو/حزيران 2025 يومًا عاديًا بالنسبة لهناء المبحوح. فمنذ أن غادر ابنها الأصغر، عمر المبحوح، المنزل في وقفة عرفة برفقة ابن خاله، بعد أن سرت بين السكان أنباء عن انسحاب قوات الاحتلال من بعض مناطق شمال قطاع غزة، انقطع أثره تمامًا.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الأم تقيس الأيام بالتاريخ، بل بعدد المرات التي فتشت فيها بين الركام، وعدد المؤسسات التي طرقت أبوابها، وعدد قوائم الأسرى التي قلبتها بحثًا عن اسم ابنها، دون أن تجد ما ينهي رحلة الانتظار.

نزوح قسري

تروي هناء لصحيفة "فلسطين"، والدموع تغالبها، أن العائلة أجبرت على النزوح من مخيم جباليا بعد أوامر الإخلاء القسري التي أصدرها الاحتلال، لتستقر في منطقة أبو إسكندر شمال مدينة غزة، شأنها شأن آلاف الأسر التي نزحت من منازلها هربًا من القصف. وبينما كانوا يحاولون التأقلم مع حياة النزوح، تناقلت ألسنة الأهالي أخبارًا عن انسحاب قوات الاحتلال من بعض المناطق، الأمر الذي دفع عددًا من الشبان إلى الخروج لاستطلاع الطريق.

كان عمر، البالغ حينها من العمر 18 عامًا، من بينهم. خرج برفقة ابن خاله معتقدًا أنه سيعود بعد وقت قصير، لكن تلك اللحظات كانت الأخيرة التي رأته فيها والدته.

خرج ولم يعد

مع تأخر الشابين عن العودة، بدأ القلق يسيطر على أفراد الأسرة، فخرجوا يبحثون عنهما في الطرقات والمناطق التي قيل إنهما توجها إليها، إلا أن محاولاتهم الأولى لم تسفر عن أي نتيجة.

وفي صباح اليوم التالي، اتسعت دائرة البحث لتشمل المواقع التي تعرضت للقصف، وسألوا الناجين والعائدين من المنطقة، لكن أحدًا لم يتمكن من إعطائهم رواية مؤكدة عما حدث.

وتقول هناء إن كل شخص كان يروي قصة مختلفة، فمنهم من تحدث عن قصف قرب السوق، وآخرون أشاروا إلى محيط المدارس، إلا أن جميع تلك الروايات بقيت مجرد اجتهادات، ولم يستطع أحد تحديد المكان الذي فقد فيه عمر أو ما إذا كان قد أصيب أو اعتُقل.

بحث مضنٍ

لم تكتفِ الأسرة بالسؤال، بل بدأت رحلة بحث بين الأنقاض. تقول هناء إن أبناء العائلة وأقاربها فتشوا في المناطق التي تعرضت للقصف، ونبشوا الركام بأيديهم، على أمل العثور على أي أثر يقود إلى عمر.

ورغم الجهد الذي بذلوه، لم يعثروا على جثمان، أو قطعة ملابس، أو أي متعلقات شخصية تخصه، وهو ما جعل الغموض يزداد قسوة.

وتضيف أن عمر خرج من المنزل دون هاتف محمول أو بطاقة هوية، وهو ما صعّب عملية تتبع أي خيط يمكن أن يساعد في معرفة مصيره.

أبواب مغلقة

مع استمرار الغياب، سجلت الأسرة بيانات عمر لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما تواصلت مع عدد من المؤسسات المعنية بالمفقودين والأسرى، إلا أن جميع المحاولات انتهت دون أي معلومات مؤكدة.

وخلال الأشهر الماضية، وصلتها روايات من أشخاص تحدثوا عن وجود شبان محتجزين في أماكن احتجاز غير معلنة، بل إن بعضهم رجّح أن يكون عمر في معتقل النقب، إلا أن الأم تؤكد أن تلك المعلومات بقيت غير موثقة.

وتقول إنها أبلغت الصليب الأحمر بكل ما وصلها، إلا أن الرد كان بعدم وجود أي معلومات تؤكد مكان وجوده، أو إمكانية التحقق من أماكن الاحتجاز غير المعلنة.

أمل معلّق

ورغم مرور أكثر من عام على اختفاء ابنها، لا تزال هناء تتابع كل قائمة جديدة بأسماء الأسرى المفرج عنهم، وتنتظر أن تجد اسم عمر بينها، إلا أن الانتظار ينتهي في كل مرة بخيبة أمل جديدة.

وتصف عمر بأنه أصغر أبنائها، وكان الأكثر قربًا منها، لذلك ترك غيابه فراغًا كبيرًا في حياتها، لا سيما أنها فقدت زوجها قبل سنوات، وأصبح أبناؤها سندها الوحيد.

وتؤكد أن تمسكها بالأمل نابع من عدم وجود أي دليل يؤكد استشهاده، إذ لم يُعثر على جثمانه أو متعلقاته الشخصية، ولم تصل الأسرة إلى أي معلومة قاطعة تحدد مصيره.

انتظار بلا نهاية

تقول هناء إن أصعب ما يعيشه ذوو المفقودين هو الغياب المجهول، فلا هم قادرون على الحداد، ولا يستطيعون المضي في حياتهم، لأن الأمل يبقى معلقًا بكل خبر جديد، وبكل اسم يُعلن عنه، وبكل رواية قد تقود إلى الحقيقة.

وتختم حديثها بصوت أثقله الانتظار: "لا أريد شيئًا من الدنيا سوى أن أعرف أين عمر. إن كان حيًا أريد أن أراه وأضمه، وإن كان قد استشهد أريد أن أدفنه بكرامة. هذا الانتظار يقتلنا كل يوم، ولا شيء أصعب على الأم من أن يبقى ابنها غائبًا، لا تعرف إن كان ينتظرها أم ينتظر من يبحث عنه".

المصدر / فلسطين أون لاين