فلسطين أون لاين

في الكلية الجامعية

من الفكرة إلى الابتكار.. مركز الواقع الافتراضي يصنع جيلاً منتجا للتكنولوجيا بغزة

...
مركز الواقع الافتراضي يصنع جيلاً منتجا للتكنولوجيا بغزة
غزة/ صفاء عاشور:

في وقت تتسارع فيه تطبيقات التكنولوجيا الحديثة حول العالم، تواصل الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية ترسيخ حضورها في مجال الابتكار الرقمي من خلال مركز البيئة الافتراضية (VR).

هذا المركز يمثل تجربة نوعية تهدف إلى نقل الطلبة من مرحلة التعلم النظري إلى مرحلة الإنتاج والتطوير، عبر بيئة تعليمية تفاعلية توظف تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والذكاء الاصطناعي في خدمة التعليم والمجتمع.

ويؤكد رئيس مركز البيئة الافتراضية (VR) في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية المهندس أحمد الديب، أن فكرة إنشاء المركز جاءت استجابة لحاجة حقيقية لمسها القائمون عليه، تتمثل في وجود فجوة بين ما يدرسه الطلبة داخل القاعات الدراسية وبين قدرتهم على تحويل تلك المعارف إلى تطبيقات ومشاريع عملية.

ويقول الديب في حديث خاص لصحيفة "فلسطين :" إن الهدف الأساسي لم يكن توفير أجهزة حديثة فحسب، وإنما إنشاء بيئة متكاملة تسمح للطالب بتصميم التطبيقات، وبرمجتها، واختبارها، وتحويل الأفكار إلى منتجات تقنية قابلة للتطوير، بحيث يصبح الطالب منتجًا للتكنولوجيا وليس مجرد مستخدم لها".

ويشير إلى أن المركز يعد الأول من نوعه ضمن عمادة تكنولوجيا المعلومات، لأنه يجمع بين التدريب والإنتاج والبحث العلمي والتطبيق العملي في مكان واحد، حيث لا يقتصر دور الطالب على استخدام نظارات الواقع الافتراضي، بل يمتد إلى تعلم بناء البيئات الافتراضية، وتصميم تجربة المستخدم، وبرمجة التفاعل، والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير المشاريع المختلفة.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 4.21.10 PM (3).jpeg
 

ويرى الديب أن تقنيات الواقع الافتراضي أحدثت تحولًا في مفهوم العملية التعليمية، إذ أصبح الطالب جزءًا من التجربة التعليمية نفسها، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات، الأمر الذي يمنحه فرصة التدريب المتكرر داخل بيئات آمنة، خاصة في التخصصات التي تحتاج إلى مختبرات وتجارب ميدانية يصعب تنفيذها بصورة مستمرة.

ويقدم المركز مجموعة واسعة من الخدمات، تشمل التدريب على محرك Unity، وبرمجة تطبيقات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، وتصميم واجهات الاستخدام وتجربة المستخدم، إضافة إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومتابعة مشاريع التخرج، وتطوير النماذج الأولية، واختبار التطبيقات وتحسينها، مع طموح لتقديم خدمات المحاكاة والتصميم التفاعلي للمؤسسات التعليمية والمجتمعية مستقبلًا.

ويعتمد المركز في تنفيذ برامجه على مجموعة من التقنيات الحديثة، من بينها نظارات الواقع الافتراضي، ومحرك Unity، وأدوات تصميم المجسمات ثلاثية الأبعاد، إلى جانب البرمجة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

 ورغم محدودية الإمكانات الحالية، خاصة فيما يتعلق بعدد الأجهزة، يؤكد الديب أن الفريق يعمل على استثمار كل الإمكانات المتوفرة بأقصى كفاءة، مع السعي لتطوير البنية التقنية خلال المرحلة المقبلة.

مميزات المركز

ومن أبرز ما يميز تجربة المركز المشاريع التي أنجزها الطلبة، والتي جمعت بين التقنية والبعد الثقافي والتعليمي، حيث نجح الطلبة في تطوير تجربة للتجول الافتراضي داخل المسجد الأقصى، وإنشاء فصل دراسي افتراضي، إلى جانب مشروع يوثق التراث الفلسطيني في غزة والأماكن التاريخية والرمزية، فضلًا عن مشروع تفاعلي يعرّف بعمادات الكلية وخدماتها، في تجربة تؤكد قدرة الطلبة على إنتاج محتوى رقمي يخدم المجتمع ويحافظ على الهوية الوطنية.

ولا يقتصر دور المركز على الإشراف على المشاريع، بل يمتد إلى مرافقة الطالب منذ لحظة ولادة الفكرة وحتى خروجها كنموذج أولي قابل للتطوير، من خلال تقسيم المشروع إلى مراحل متتابعة تبدأ بتحديد المشكلة، ثم تصميم التجربة، فبناء النموذج الأولي، وصولًا إلى الاختبارات والتطوير المستمر، بما يعزز التفكير العملي لدى الطلبة ويجعلهم أكثر قدرة على التعامل مع احتياجات سوق العمل.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 4.21.10 PM.jpeg
 

وخلال الفترة الماضية نفذ المركز عشر ورش تدريبية، خُصصت خمس منها للطلاب وخمس للطالبات، وشملت البرمجة، والواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي، وتصميم واجهات الاستخدام، والتصوير والمونتاج، مع الاعتماد على التدريب العملي والمشروعات التطبيقية، ويخطط المركز لإطلاق برنامج تدريبي مكثف خلال الصيف لاختيار الطلبة المتميزين وإعدادهم للعمل ضمن فريق دائم للمركز.

ويؤكد الديب أن الأثر الحقيقي للمركز لا يقاس بعدد المشاريع المنجزة فقط، وإنما بالتغير الذي يحدث في شخصية الطالب، حيث يصبح أكثر ثقة بقدراته وأكثر قدرة على الابتكار والعمل الجماعي، بعد أن يرى نتائج عمله تتحول إلى تجربة حقيقية يمكن استخدامها واختبارها، وهو ما يعزز الفهم العميق للمفاهيم التقنية بدلًا من الاكتفاء بالحفظ النظري.

كما يسعى المركز إلى تعزيز ثقافة ريادة الأعمال بين الطلبة، من خلال مشروع لإنشاء استوديو ألعاب طلابي، يتيح لهم التعرف إلى جميع مراحل إنتاج الألعاب والتطبيقات الرقمية، ابتداءً من الفكرة، مرورًا بالتصميم والبرمجة والاختبار، وصولًا إلى نشرها في المتاجر الإلكترونية، بما يفتح أمامهم آفاقًا جديدة للعمل الحر وإنشاء شركات ناشئة مستقبلًا.

خطط مستقبلية

وعن خطط التطوير المستقبلية، يكشف الديب أن المركز يطمح إلى توسيع بنيته التحتية، وزيادة عدد الأجهزة والنظارات، وتأسيس فريق طلابي دائم، إلى جانب إطلاق برامج متخصصة في الواقع الافتراضي والواقع المعزز، وإنشاء استوديو ألعاب، والتوسع في تقديم خدمات المحاكاة للمؤسسات التعليمية والصحية والثقافية، بما يسهم في توظيف التكنولوجيا لمعالجة قضايا المجتمع المختلفة.

كما يطمح المركز إلى توسيع مجالات استخدام الواقع الافتراضي لتشمل التعليم، والتمريض، والصحة النفسية، والتوحد، والسياحة الافتراضية، وحفظ التراث الفلسطيني، عبر إعادة بناء المواقع التاريخية والأثرية التي تضررت، بما يضمن توثيقها رقمياً للأجيال القادمة.

ويختتم الديب حديثه برسالة إلى الطلبة، يدعوهم فيها إلى عدم انتظار الظروف المثالية، بل المبادرة إلى التعلم والبدء بالمشاريع الصغيرة، مؤكدًا أن مجال الواقع الافتراضي يحتاج إلى المبرمج والمصمم وكاتب المحتوى والفنان والباحث، وأن لكل طالب فرصة حقيقية للإبداع إذا امتلك الإرادة والرغبة في التعلم. ويرى أن أكبر إنجاز حققه المركز هو انتقال الطلبة من مرحلة التساؤل عن كيفية عمل هذه التقنيات إلى مرحلة القدرة على تصميمها وبنائها بأنفسهم، رغم التحديات وقلة الإمكانات، وهو ما يشكل الاستثمار الحقيقي في مستقبل التكنولوجيا الفلسطينية.

المصدر / فلسطين أون لاين