فلسطين أون لاين

رحلت ابنته دون وداعها.. حكاية ضابط دفاع مدني لبَّى نداءات الاستغاثة تحت وطأة الفقد

...
العميد في جهاز الدفاع المدني مؤمن سلمي
غزة/ صفاء عاشور:

لم يكن العميد في جهاز الدفاع المدني مؤمن سلمي، يعلم وهو يخرج مسرعًا في صباح اليوم الأول لاندلاع حرب الإبادة، مرتديًا بزته البرتقالية، أن السنوات التالية ستسرق منه أكثر مما يمكن لرجل أن يتحمله.

وعلى الرغم من أنه استطاع انتشال مئات الضحايا من تحت المنازل التي دمرها القصف، فإنه عجز عن احتضان ابنته للمرة الأخيرة، في حين أصبحت أيامه في خضمّ الحرب مليئة بالفقد والوداع.

ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يعد يعرف الفرق بين الليل والنهار.

كانت صفارات الاستغاثة تسبقه إلى كل مكان، في حين كان الموت أسرع من سيارات الدفاع المدني التي أنهكها القصف والاستهداف.

يركض من منزل انهار فوق ساكنيه إلى خيمة اشتعلت بها النيران، ومن شارع امتلأ بالمصابين إلى مستشفى لم يعد فيه من ينقذ الجرحى.

يقول سلمي لصحيفة "فلسطين"، بصوت يخفت كلما عاد بذاكرته إلى تلك الأيام: "كنا نخرج من مهمة وندخل في أخرى، ولم نكن نعرف متى سنعود، أو إن كنا سنعود أصلًا".

منذ التحاقه بالدفاع المدني عام 2008، كان سلمي يؤمن بأن وظيفته رسالة قبل أن تكون مهنة، تنقل بين أقسام الجهاز، من الاتصالات إلى التدريب، ثم الميدان وإدارة المراكز، حتى جاءت الحرب لتعيده إلى المكان الذي يعرفه جيدًا وسط ألسنة النيران.

لم ينتظر تعليمات بالنزول إلى الميدان، فمع الساعات الأولى للقصف، حمل خوذته وغادر بيته، تاركًا خلفه زوجته وأطفاله، على أمل أن تنتهي الحرب خلال أيام كما كان يعتقد كثيرون، لكن تلك الأيام تحولت إلى أشهر، والأشهر إلى سنوات، بينما بقي هو حارسًا للحياة وسط مدينة يتسع فيها الموت كل يوم.

ويضيف، أن أصعب قرار اتخذه خلال الحرب، كان عندما طلب من عائلته مغادرة مدينة غزة إلى جنوبي القطاع، بينما يبقى هو خلفهم.

قال لهم يومها: "توكلوا على الله.. خذوا إخوتكم واذهبوا، أما أنا فمكاني هنا".

لم يكن يرى أبناءه إلا نادرًا، فعمله كان يمتد أربعًا وعشرين ساعة متواصلة، كان يسمع أصوات الأطفال العالقين تحت الأنقاض أكثر مما يسمع أصوات أطفاله.

ثم جاء الخبر الذي لم يكن مستعدًا له.

في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2024، استشهدت ابنته بعدما استُهدف قصف إسرائيلية مدرسة تؤوي عدد كبير من النازحين.

عن ذلك، يقول: "كنت في الميدان، ولم أستطع حتى أن أودعها"، في حين لم تمنحه الحرب وقتًا للبكاء، حيث تتوالى نداءات الاستغاثة من أناس ينتظرون من ينتشلهم من تحت الركام.

يتابع: "كنت أُنقذ أبناء الناس، بينما ابنتي رحلت دون أن أستطيع حمايتها".

وجوه لا تغادر الذاكرة

لا يتذكر سلمي عدد المهمات التي شارك فيها، لكنه يتذكر الوجوه، وجه أم كانت تحتضن طفلها لحظة انتشالهما، ووجه رجل ظل ينادي أبناءه من تحت الركام، ووجوه زملائه الذين خرجوا معه إلى البلاغات ولم يعودوا.

ويقول: إن "أصعب اللحظات لم تكن رؤية الدمار، بل سماع أصوات الأحياء تحت الأنقاض بينما المعدات تعجز عن الوصول إليهم".

"كنت أسمعهم ينادون، وأعرف أنهم ما يزالون أحياء، لكننا لم نكن نملك المعدات التي تساعدنا على إخراجهم بسرعة".

وفي كثير من المهمات، كان فقدان الكهرباء أخطر من القصف نفسه، لأن أجهزة قص الحديد ورفع الأنقاض لا تعمل دون طاقة.

ولأن الوقود لم يكن متوفرًا، قرر الضابط سلمي، أن يبحث عن حل بنفسه، فلجأ إلى ابتكار نظام كهربائي بسيط استطاع ربطه بسيارة الدفاع المدني، لتتحول إلى مصدر طاقة متنقل يشغّل معدات الإنقاذ.

لم يكن يفكر في الاختراع بقدر ما كان يفكر في الشخص الذي ينتظر تحت الركام، ويقول: "كل دقيقة كانت تعني حياة أو موت".

كان يحمل المصابين على كتفيه حتى يصل بهم إلى المستشفى، لكن الوجع لم يكن ينتهي عند أبوابها.

يتذكر كيف كان يترك الجرحى هناك ثم يعود إلى مهمة جديدة، ليعود في اليوم التالي فيجد بعضهم في المكان نفسه، لأن الأطباء لم يجدوا دواءً أو أدوات تنقذهم.

ولم تكن الحرب تستهدف المدنيين فقط، بل طاولت أيضًا رجال الدفاع المدني.

واستشهد عدد كبير من زملائه وأصيب آخرون، حتى فقد الجهاز أكثر من نصف كوادره العاملة.

وفي الخامس والعشرين من سبتمبر/ أيلول 2024، جاء الدور عليه، استُهدف المركز الذي كان يعمل فيه، وأصيب إصابة خطيرة في الرأس والرقبة، أبعدته ثلاثة أشهر عن الميدان.

لكن ما إن استطاع الوقوف على قدميه، حتى عاد من جديد. يقول مبتسمًا: "مكاني بين زملائي، لا أستطيع أن أبقى بعيدًا".

رسالة أكبر من الوظيفة

اليوم، وبعد قرابة 3 سنوات لحرب الإبادة، ما زالت غزة تعتمد على إمكانات محدودة، في حين تزداد الحرائق مع كل استهداف وانهيار يتسبب فيه القصف الإسرائيلي.

ورغم ذلك، يخرج سلمي كلما تلقى بلاغًا، كما لو أنها المهمة الأولى في حياته، وحين يُسأل عن سبب استمراره، رغم فقد ابنته وإصابته واستشهاد رفاقه، يجيب بهدوئه المعتاد: "إذا بقي إنسان واحد تحت الركام، فلا يحق لي أن أبقى في البيت".

هكذا يعيش العميد مؤمن سلمي؛ رجلٌ حمل بين يديه مئات الأرواح، لكنه ما زال يحمل في قلبه وجع ابنة لم يتمكن من إنقاذها.

المصدر / فلسطين أون لاين