تشتد حلقات الطوق الحديدي الذي تفرضه سلطات الاحتلال على أعناق المواطنين العزّل في قطاع غزة، وتبلغ ذروتها في الاستمرار الممنهج لحظر تزويد القطاع بالتيار الكهربائي والوقود، ما ترك المنطقة بالكامل غارقة في ظلام دامس، وأجبر المنشآت الحيوية والخدمية، ولا سيما القطاعات الطبية والاقتصادية والتجارية، على العمل وفق تدابير استثنائية ومؤقتة لتوفير الحد الأدنى الجد حرج من احتياجاتها التشغيلية.
وامتداداً لهذا الواقع المرير، تجددت صرخات أهالي قطاع غزة الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة، مطالبة المسؤولين وصنّاع القرار الإقليميين والدوليين، والمؤسسات الأممية والمدافعين عن حقوق الإنسان، بالتحرك العاجل والفوري لإنهاء أزمة الطاقة التي فاقمت المعاناة الإنسانية بشكل غير مسبوق.
ويؤكد مواطنون وخبراء ضرورة إرغام سلطات الاحتلال على إعادة إمدادات الخطوط المباشرة التي كانت تزود القطاع بنحو 120 ميغاواط، مع العمل على رفع هذه الكميات لتلبية الزيادة المضطردة في معدلات الاستهلاك والنمو السكاني، إضافة إلى إدخال شحنات الوقود اللازمة لتشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة، والسماح العاجل بإدخال قطع الغيار، المحولات، والمعدات الفنية الضرورية لإصلاح الشبكات والتجهيزات الكهربائية المتضررة وإعادة تشغيلها.
كما شددوا على ضرورة فتح المعابر أمام دخول المولدات الكهربائية التجارية والصغيرة، وألواح وأنظمة الطاقة الشمسية ومستلزماتها، بما يتيح للأفراد والتجمعات السكنية والمرافق الخدمية خيارات لإنتاج الطاقة الذاتية وتغذية المنازل، في ظل الحاجة الماسّة لمصادر بديلة.
وفي السياق ذاته، يناشد غزيون الحكومة المصرية والجهات المعنية إعادة إمداد القطاع عبر الخطوط المصرية التي كانت تمد المنطقة الجنوبية بـ 30 ميغاواط.
أزمة مزمنة تتفاقم
ولم تكن أزمة الطاقة في قطاع غزة وليدة اللحظة، إذ كان القطاع يعاني أصلًا عجزًا مزمنًا في إمدادات الطاقة الكهربائية قبل الحصار المشدد والحرب، إذ كان حجم الطلب الكلي يتجاوز 500 ميغاواط في أوقات الذروة، في حين لم تكن الكميات المتاحة من المصادر كافة (الخطوط الإسرائيلية، المحطة المحلية، والخطوط المصرية) تتعدى في أفضل حالاتها 200 إلى 220 ميغاواط، ما خلق عجزاً دائمًا زاد على 60%.
أما اليوم، وبحسب بيانات التقييم الفني لسلطة الطاقة وشركة توزيع الكهرباء، فقد تضرر وتدمر أكثر من 80% من مكونات شبكة التوزيع ونقل الطاقة ومحولات التحويل، وتجاوزت الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع الكهرباء حاجز 728 مليون دولار. وتشير التقديرات إلى أن إعادة إعمار وبناء البنية التحتية لمنظومة الطاقة ستتطلب مبالغ مالية تُقدر بنحو 1.5 مليار دولار.
وعلى المستوى الشعبي والمعيشي، يقول المواطن محمود المسلمي، من سكان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، إن أزمة الكهرباء تحولت إلى واحدة من أقسى العقبات التي تثقل كاهل الأسر الفلسطينية، بسبب الانقطاع التام للتيار والارتفاع الخيالي في تكاليف الحصول على بدائل الطاقة البديلة.
ويوضح المسلمي لصحيفة "فلسطين" أن رحلة البحث عن بدائل منزلية لتوفير الحد الأدنى من الكهرباء أصبحت عملية دؤوبة واستنزافية بشكل يومي، مشيراً إلى أن أنظمة الطاقة الشمسية المحدودة كانت بين الخيارات المطروحة، إلا أن كلفة تركيبها التي تتراوح بين 2500 و5000 دولار تجعلها خارج متناول غالبية المواطنين الذين فقدوا مصادر دخلهم.
ويضيف أن العائلات اضطرت إلى الاستعانة بالمولدات الكهربائية التجارية التي توفرها شركات خاصة عبر خطوط أهليّة متصلة، إلا أن أسعار الكيلوواط/ساعة المرتفعة، والتي تضاعفت عدة مرات لتصل إلى مستويات قياسية، زادت الأعباء المعيشية؛ إذ تتجاوز كلفة الاستهلاك الأسبوعي لتلبية الاحتياجات الأساسية جداً (مثل الإنارة وشحن الهواتف وتطبيق بعض المولدات الصغيرة) حاجز 80 دولاراً أسبوعياً (أي أكثر من 320 دولاراً شهرياً)، وهو مبلغ وصفه بالمرهق والمستحيل في ظل حالة الفقر والبطالة والتدهور الاقتصادي.
ويشير المسلمي إلى أن توفير هذا المبلغ المالي أسبوعياً بات يشكل أزمة قائمة بحد ذاتها، حيث يتحول موعد دفع الفاتورة إلى مصدر دائم للقلق والاضطراب داخل كل منزل، في ظل انعدام السيولة وتراجع القدرة الشرائية.
ويقول: العائلات باتت مخيرة بين معادلة صعبة ومؤلمة: إما تأمين الحد الأدنى من الكهرباء أو توفير الطعام والدواء للأطفال، مؤكداً أن الكهرباء لم تعد مجرد رفاهية، بل هي شريان حياة لا غنى عنه لتشغيل مضخات المياه، وحفظ المواد الغذائية المتبقية من التلف، وتشغيل الأجهزة الطبية المنزلية.

أبعاد اجتماعية واقتصادية
من جانبه، يوضح الاختصاصي الاقتصادي محمود العفّ أن أزمة الطاقة الكهربائية تمس الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين بصورة مباشرة ومباشرة جداً.
ويشير العفّ في حديثه مع صحيفة "فلسطين" إلى أنه على الرغم من الظروف الاستثنائية والمعقدة التي يمر بها القطاع، فإن شركة توزيع الكهرباء والجهات الحكومية والمحلية تقع على عاتقها مسؤولية تنظيم هذا القطاع وحماية المستهلكين من الاستغلال، خاصة مع توسع الشركات الخاصة والمشغلين المحليين في تقديم خدمات المولدات بأسعار مرتفعة.
ويؤكد العفّ أنه يتوجب على شركة الكهرباء والمؤسسات المعنية وضع خطة استجابة طارئة وواضحة المعالم، تتضمن إدارة شحنات الوقود المتاحة بشكل عادل، وتسهيل مشاريع الطاقة المتجددة المصغرة والتشاركية، مشدداً على أن إعادة وصل الخطوط المقطوعة من قبل الاحتلال هي نقطة الارتكاز الأساسية لأن الطاقة تُعد حقاً إنسانياً واقتصادياً أصيلاً ولا يجوز استخدامها كأداة للعقاب الجماعي.
وفي يوليو/تموز، حددت سلطة الطاقة الحد الأقصى لبيع الكيلواط ساعة للمواطن بـ 25 شيكل فقط. وقالت في بيان، يحدث سعر البيع كل أسبوعين تماشياً مع أسعار الوقود والزيوت والصيانة والتكاليف التشغيلية المختلفة بما يحقق العدالة لجميع الأطراف.

تراجع الناتج المحلي الإجمالي
بدوره، يقول د. ماهر الطباع، المسؤول في غرفة تجارة وصناعة غزة، أن الكهرباء تشكل المحرك الرئيسي والشرط الأول لاستدامة وتأهيل أي نشاط اقتصادي، مؤكداً لصحيفة "فلسطين" أن الانقطاع الكامل والمتواصل للكهرباء أدى إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي وأدخل القطاعات التجارية والصناعية في حالة شلل شبه تام.
ويبيّن الطباع أن القطاع الصناعي يعتمد بصفة أساسية على الطاقة المستقرة لتشغيل الآلات والمعدات، وأن غيابها يرفع تكاليف الإنتاج بنسب تتراوح بين 200% و300% نتيجة الاعتماد المباشر على الوقود الصناعي والمولدات مرتفعة التكلفة. هذا الارتفاع الحاد في تكاليف التشغيل يقلل من القدرة التنافسية للسلع المحلية، ويتسبب في تلف المواد الخام والمنتجات، لا سيما في قطاعات الصناعات الغذائية والمستلزمات الطبية والبلاستيكية.
ويضيف أن الأزمة طالت أيضاً عشرات الآلاف من المنشآت التجارية الصغيرة والمحال والمخازن ومراكز التبريد، التي باتت غير قادرة على الصمود، مما دفع مئات المصانع والورش للإغلاق التام، ورفع نسب البطالة إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 75%.
ويؤكد أن ملف الكهرباء يجب ألا يُطرح مجرداً كقضية إنسانية أو خدمية فقط، بل ينبغي التعامل معه كركيزة متكاملة وأساسية ضمن أي خطط مستقبلية للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار؛ إذ لا يمكن الحديث عن تنشيط الأسواق، أو جذب الاستثمارات، أو تشغيل العمالة، في غياب منظومة طاقة آمنة، مستقرة، ومتاحة بأسعار معقولة.

