مع تصاعد التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، تزداد المخاوف من انتقال أزمة انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات أكثر خطورة مع اقتراب شبح المجاعة.
ويرى مختصون أن معالجة الأزمة لا تقتصر على زيادة إدخال المساعدات الغذائية فقط، بل تتطلب إجراءات عاجلة تضمن استدامة تدفق السلع، ودعم القدرة الشرائية للمواطنين، وإعادة تنشيط القطاعات الاقتصادية والإنتاجية التي تضررت بشكل كبير.
ويؤكد الخبراء أن استمرار الوضع الحالي يهدد بمزيد من التدهور، داعين إلى تدخلات دولية فاعلة تضمن توفير غذاء متنوع وآمن، إلى جانب وضع حلول طويلة الأمد تعالج جذور الأزمة وتحد من الاعتماد الكامل على الإغاثة.
وحذّر رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن نحو 67% من السكان يعانون انعدام الأمن الغذائي، في حين يقترب حوالي 10% من مرحلة المجاعة.
واقع خطير
من جانبه قال د. أنور عطا الله، الباحث في إدارة المخاطر والأزمات، إن الأرقام "لا تمثل مجرد إحصاءات، بل تعكس واقعًا خطيرًا يضع قطاع غزة على حافة كارثة إنسانية متفاقمة".
وأضاف عطا الله لصحيفة "فلسطين" أن "فهم خطورة الوضع يتطلب التمييز بين انعدام الأمن الغذائي والمجاعة"، موضحًا أن الأول يعني عدم توفر غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ بشكل مستمر، بينما تمثل المجاعة المرحلة الأشد، حيث تتفاقم ندرة الغذاء وتنتشر حالات سوء التغذية الحاد، مصحوبة بارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع.
وأشار إلى أن أزمة الغذاء في غزة بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، حيث لجأ السكان إلى تخزين المعلبات نتيجة توقعهم لطول أمد الصراع وانقطاع الغاز والكهرباء، مضيفًا: "مع دخول المساعدات، كانت المعلبات هي الغالبية، ما جعلها الغذاء الأساسي لآلاف الأسر".
وأوضح عطا الله أن الاعتماد المستمر على المعلبات يحمل مخاطر صحية متراكمة، خاصة على الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، مؤكدًا أن "الأمن الغذائي لا يقتصر على منع الجوع، بل يشمل توفير غذاء متوازن يحافظ على صحة الإنسان".
وبيّن أن سكان القطاع عانوا خلال السنوات الماضية من صعوبة الحصول على الغذاء بشكل منتظم، مشيرًا إلى مشاهد اصطفاف آلاف المواطنين لساعات طويلة للحصول على وجبات محدودة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية.
هشاشة الأمن الغذائي
من جانبه، قال خالد أبو عامر، المختص في الشأن الاقتصادي، إن الأزمة الغذائية في غزة لم تعد أزمة إمدادات فقط، بل تحولت إلى أزمة قدرة على الوصول، موضحًا لصحيفة "فلسطين" ان "انهيار الدخل وارتفاع معدلات البطالة أفقدا شريحة واسعة من المواطنين القدرة على شراء الغذاء حتى عند توفره بشكل جزئي".
وأضاف أبو عامر أن "تعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل والتخزين أدى إلى تقلبات حادة في الأسعار ونقص تنوع السلع"، لافتًا إلى أن السوق المحلي فقد قدرته على التوازن، ما جعل الأسر تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية بدلًا من آليات السوق التقليدية.
وأشار إلى أن تراجع النشاط الاقتصادي والإنتاج المحلي، خاصة في القطاعات الزراعية والصناعية، فاقم من هشاشة الأمن الغذائي، مؤكدًا أن استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الغذائي تتطلب ليس فقط إدخال المساعدات، بل إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد المحلي وضمان تدفق السلع بشكل مستدام.
ودعا إلى تدخلات عاجلة تشمل دعم القوة الشرائية للأسر، وتأمين سلاسل الإمداد، وتخفيف القيود على حركة السلع، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تعميق الفجوة الغذائية وزيادة الاعتماد على الإغاثة.

