بعد نحو ثلاث سنوات من حرب الإبادة الإسرائيلية المدمرة التي حوّلت مدارس قطاع غزة إلى ركام، ومزقت البنية التحتية التعليمية، وحرمت مئات آلاف الطلبة من مقاعدهم الدراسية، تتشكل ملامح معركة جديدة يخوضها الغزيون عنوانها إنقاذ التعليم.
فمن بين أنقاض المدارس المهدمة، وفي الأحياء السكنية المكتظة وخيام النزوح، تنبثق مبادرات تعليمية ونقاط دراسية مؤقتة تحمل على عاتقها مهمة إعادة الأطفال إلى الفصول الدراسية، ولو كانت من القماش والخشب.
وفي مشهد يجسد إصرار المجتمع الغزي على حماية حق أطفاله في التعلم، تتواصل الجهود الشعبية والرسمية لإحياء التعليم الوجاهي، باعتباره طوق النجاة الأخير لجيل أثقلت الحرب كاهله بالحرمان والفقدان، وبات مهددًا بخسارة مستقبله إذا استمر انقطاعه عن الدراسة.
وتشير الأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية ووزارة التربية والتعليم إلى واقع كارثي حل بالبنية التحتية التعليمية في قطاع غزة. فوفقاً لتقارير اليونيسف ومنظمة اليونسكو، فإن أكثر من 95% من المدارس في القطاع تعرضت لأضرار متفاوتة، حيث تحولت مئات منها إلى ركام كامل أو مراكز إيواء مكتظة بالنازحين لا تصلح للعملية التعليمية.
اقرأ أيضًا: أبو زعيتر لـ"فلسطين": العودة للتعليم الوجاهي ضرورة وطنية لإنقاذ جيل أنهكته الحرب
وتؤكد الإحصائيات أن 432 مبنى مدرسياً (ما يعادل 76.6% من إجمالي مدارس غزة) تعرضت لضربات مباشرة، بينما دُمرت 22 جامعة وكلية بشكل كلي من أصل 38 مؤسسة تعليم عالٍ. هذا الدمار الممنهج لم يقتصر على الحجر، بل طال البشر، حيث فقد القطاع التعليمي آلاف المعلمين والأكاديميين والطلبة، مما جعل العودة إلى المقاعد الدراسية التقليدية تحدياً يفوق الوصف.
انكسار الرهان
مع استحالة العودة للمدارس المدمرة، برز "التعليم الإلكتروني" كخيار بديل في بداية الأزمة، لكن هذه المحاولات اصطدمت بصخور الواقع المرير. فقد واجه الطلبة صعوبات جمة، أبرزها التدهور الحاد في خدمة الإنترنت نتيجة تدمير أبراج الاتصالات، وانقطاع التيار الكهربائي الدائم.
علاوة على ذلك، يعاني الغزيون من نقص حاد في الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب، في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال معدات الاتصالات والأجهزة الإلكترونية إلى القطاع منذ بدء الحرب. هذا الواقع جعل التعليم الافتراضي "ترفاً" لا يملكه الغالبية العظمى من الطلاب، مما دفع المجتمع المحلي للبحث عن بدائل وجاهية تعيد للتعليم هيبته وفاعليته رغم قلة الإمكانيات.
في زقاق ضيق بحي النصر غرب مدينة غزة، تشق الفتاة ليان حميد (14 عاماً) طريقها كل صباح نحو نقطة تعليمية صغيرة أقيمت بجهود متطوعين في أحد المنازل شبه المتضررة في محاولة لتعويض ما فاتها من دروس تعليمية. ليان، التي كان من المفترض أن تكون اليوم في صفوف المرحلة الإعدادية المتقدمة، قررت مع بداية العام الدراسي الجديد أن تترك خلفها محاولات التعلم عبر الهاتف المتهالك الذي تشاركه مع إخوتها، وتلتحق بالتعليم الوجاهي.
تقول ليان لصحيفة "فلسطين": "لقد أمضيت شهوراً طويلة أحاول فهم دروس الرياضيات والعلوم عبر مقاطع فيديو مسجلة أو رسائل نصية تصلني بصعوبة عندما يتوفر الإنترنت لدقائق. كنت أشعر أنني في وادٍ والعلم في وادٍ آخر. التعليم الإلكتروني في غزة ليس تعليماً، بل هو محاولة بائسة لسد الفراغ، لكن التحصيل العلمي الحقيقي كان يقترب من الصفر. لم أكن أشعر بأنني أحصل على أفضل ما يمكن، وكنت أخشى أن يضيع مستقبلي وأنا أنتظر إشارة إنترنت لا تأتي".
تضيف ليان وهي تمسك بقلمها الوحيد: "حين سمعت عن افتتاح هذه النقطة التعليمية القريبة من منزلي، شعرت وكأن نافذة أمل قد فُتحت. التعليم الوجاهي لا بديل عنه إطلاقاً، فالعين بالعين مع المعلم، والقدرة على السؤال والنقاش وجهاً لوجه، هي ما يبني المعرفة الحقيقية. هنا، رغم أننا نجلس في غرفة ضيقة وبلا مقاعد دراسية حقيقية، إلا أنني أشعر أن عقلي بدأ يستيقظ مجدداً".
وتضيف: "إن الجلوس أمام السبورة وسماع صوت المعلم وهو يشرح، يمنحني شعوراً بالأمان بأنني ما زلت طالبة، وأن الحرب لم تسرق عقلي كما سرقت مدرستي. نحن هنا نتحدى الظروف، لأننا ندرك أن سلاحنا الوحيد هو العلم، والتعليم الوجاهي هو الطريق الوحيد لامتلاك هذا السلاح بفاعلية".
تختم ليان حديثها: "أقول لكل زميلاتي ولكل العائلات، لا تتركوا أطفالكم رهائن للشاشات الميتة أو للفراغ القاتل. اخرجوا إلى النقاط التعليمية، ابحثوا عن المعلمين في أحيائكم. قد لا نملك مدارس فارهة الآن، لكننا نملك إرادة، والتعليم الوجاهي هو ما سيعيد بناء غزة في المستقبل. لن نسمح للاحتلال بأن يحقق هدفه في تجهيلنا، سنكتب على الجدران وعلى الركام، وسنتعلم وجهاً لوجه حتى نعود إلى مدارسنا الحقيقية".
معركة الوعي وسط شح الإمكانيات
على مقربة من شارع المشتل غرب مدينة غزة، يعيش محمد جلال (45 عاماً) مع أسرته المكونة من ستة أفراد، أربعة منهم في سن التعليم الأساسي والإعدادي. بالنسبة لجلال كانت الحرب معركة مزدوجة؛ معركة للبقاء على قيد الحياة، ومعركة أخرى لحماية عقول أطفاله من التآكل نتيجة الانقطاع الطويل عن التعليم.
يتحدث جلال لصحيفة "فلسطين" عن تجربته المريرة "منذ الأشهر الأولى للحرب، أدركت أن التعليم الإلكتروني ليس ذا جدوى في واقعنا. كيف يمكن لطفل أن يتعلم عبر شاشة هاتف صغيرة والإنترنت مقطوع والكهرباء غائبة؟ لقد كان ذلك مضيعة للوقت والجهد. لذلك، اضطررت في بداية الأمر لاستئجار معلمين خصوصيين ليعطوا أطفالي دروساً وجاهية في البيت، رغم التكلفة العالية والظروف الأمنية الصعبة. كنت أقتطع من قوت يومنا لأدفع للمعلمين، لأنني أؤمن أن خسارة عام دراسي يمكن تعويضها، لكن خسارة الوعي وبناء الشخصية التي يوفرها التعليم الوجاهي هي خسارة لا تعوض".

ومع انتشار المبادرات التعليمية الشعبية، سارع جلال لإرسال أطفاله إلى نقطة تعليمية قريبة من سكنهم. ويصف انطباعه قائلاً: "الفرق شاسع جداً، أطفالي عادوا للالتزام بمواعيد، عادوا للاختلاط بأقرانهم، والأهم من ذلك، عادوا للفهم الحقيقي. التعليم الوجاهي هو روح العملية التربوية، وبدونه يتحول الطالب إلى مجرد متلقٍ سلبي للمعلومات. لكن ما يؤلمني هو أن هؤلاء الطلاب يتلقون دروسهم في ظل شح مخيف في الإمكانيات".
وأضاف: "أطفالي يجلسون على الأرض لساعات، لا توجد مقاعد، لا توجد قرطاسية كافية، وحتى الكتب المدرسية نتبادلها كأنها كنز ثمين. المعلمون يبذلون جهداً خرافياً بوسائل بدائية جداً".
يوجه جلال نداءً للمؤسسات الدولية، وعلى رأسها اليونيسف المعنية لحقوق الطفل: "إن التعليم الوجاهي في غزة اليوم يحتاج إلى التفاتة حقيقية واهتمام كبير من المؤسسات الدولية الداعمة للتعليم. لا يكفي أن نصدر بيانات قلق، بل يجب دعم هذه المبادرات بالخيام التعليمية، بالمقاعد، بالكتب، وبدعم المعلمين الذين يعملون مجاناً في أغلب الأحيان".
وأكمل: "إن ترك أطفال غزة يتعلمون على الأرض وسط الركام هو وصمة عار في جبين الإنسانية. التعليم الوجاهي هو حق أساسي، وتوفير أدواته البسيطة هو أقل ما يمكن تقديمه لجيل يرفض الاستسلام للجهل".
ينهي جلال حديثه بدعوة جيرانه وأبناء شعبه: "أدعو كل أب وأم ألا يترددوا في إرسال أطفالهم لهذه النقاط التعليمية. نعم، الإمكانيات صعبة، ونعم، الجلوس على الأرض متعب، ولكن أن يتعلم طفلك وهو جالس على التراب خير له ألف مرة من أن يجلس في البيت بانتظار معجزة. التعليم الوجاهي هو فعل مقاومة، وهو الضمانة الوحيدة لكي لا تضيع تضحياتنا سدى. أرسلوا أطفالكم للتعلم، فالعلم هو النور الذي سيبدد ظلام هذه الحرب".
ضرورة وطنية
من ناحيته، أكد مدير التربية والتعليم في شرق غزة، منير أبو زعيتر، أن العودة إلى التعليم الوجاهي تمثل ضرورة وطنية لحماية جيل أنهكته الحرب، داعيًا أولياء الأمور إلى إرسال أبنائهم إلى المدارس والنقاط التعليمية وعدم تركهم خارج العملية التعليمية، لما لذلك من دور في الحد من الفاقد التعليمي وتعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال.
وأوضح أبو زعيتر لصحيفة "فلسطين" أن قطاع التعليم يواجه أوضاعًا غير مسبوقة بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، إذ تعرضت معظم المدارس للتدمير أو تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين، الأمر الذي دفع وزارة التربية والتعليم إلى البحث عن بدائل لضمان استمرار العملية التعليمية. وأشار إلى أن الوزارة بدأت بالتعليم الإلكتروني، إلا أنه واجه تحديات كبيرة بسبب انقطاع الإنترنت والكهرباء ونقص الأجهزة الذكية، ما حد من فعاليته.
وأضاف أن الوزارة انتقلت لاحقًا إلى نموذج التعليم المدمج، قبل أن تنشئ مدارس ميدانية ونقاطًا تعليمية مؤقتة داخل الأحياء السكنية بالشراكة مع منظمة اليونيسف ومؤسسات أخرى. ولفت إلى أن مديرية شرق غزة افتتحت 18 مدرسة حكومية مؤقتة تعمل بنظام التدوير، ونجحت في توفير مقاعد خشبية بعد أن كان الطلبة يجلسون على الأرض، رغم استمرار ضعف الإمكانيات.
وبيّن أن نحو 47 ألف طالب وطالبة التحقوا بالتعليم في شرق غزة، بينهم 23 ألفًا في المدارس الحكومية المؤقتة و24 ألفًا في النقاط التعليمية الخاصة، فيما لا يزال قرابة 10 آلاف طالب خارج العملية التعليمية. وأوضح أن محدودية المباني والمساحات تفرض نظام حضور لا يتجاوز ثلاثة أيام أسبوعيًا، مع التركيز على المواد الأساسية فقط.
وشدد أبو زعيتر على أن إعادة تأهيل البيئة التعليمية، وإنشاء فصول مؤقتة، وإخلاء المدارس من مراكز الإيواء تمثل خطوات أساسية لاستعادة العملية التعليمية، مؤكدًا أن التعليم الوجاهي هو خط الدفاع الأول عن مستقبل أطفال غزة

