من تحت ركام منزل الأسرة الذي قصفه الاحتلال فوق رؤوسهم وهم نائمون خرج الطفل سعيد جودة سليما جسديا، بعد أن فقد والده وشقيقته، ليصبح هو عمود البيت واليد اليمنى لوالدته وشقيقه الأصغر المصاب، وبعد أكثر من عامين من تلك المأساة يخوض سعيد اليوم صراعا جديدا مع المرض.
ففي 16 نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢٣ نجا سعيد من قصف استهدف منزل الأسرة في حين فقد والده وشقيقته بسنت، أما شقيقه الأصغر أيهم فأصيب في وجهه وما زال يعاني تبعات الإصابة حتى اللحظة حيث أنه بحاجة لمزيد من العمليات الجراحية.
حاولت الأم فاطمة جودة الوقوف على قدميها مجددا والتعالي على جراحها لتكون الأب والأم لـ" سعيد" و " أيهم" فقد كان سعيد يدها اليمنى في تلبية كل احتياجات الأسرة في الظروف الصعبة من نزوح وفقدان لأبسط متطلبات الحياة في غزة.
تقول والدته لصحيفة "فلسطين": " قبل ثلاثة أشهر أصيب سعيد بمغص شديد في بطنه فاضطررت على أثره لنقله للمستشفى، وبعد شهر ونصف الشهر من محاولات التشخيص مع غياب الإمكانيات الطبية لجأ الأطباء لأخذ خزعة من ظهره".
وتضيف بأسى :" تبين أن سعيد للأسف مصاب بسرطان الدم ( اللوكيميا) الذي لا يوجد له أي نوع من أنواع العلاج في غزة، فالحل الوحيد هو زراعة النخاع وهي عملية لا تجرى بتاتا في غزة، فلا يعطونه هنا سوى مسكن الأكامول الذي لا يسكن شيئا من آلامه" .
وتتابع :" صحة سعيد تدهورت بشكل سريع نسبة الصفائح بلغت اثنين فقط ( المعدل الطبيعي للصفائح الدموية لدى الأطفال يتراوح بين 150,000 إلى 400,000 صفيحة لكل ميكرو لتر من الدم)، أما نسبة الدم فبلغت أربعة فقط".
وتمضي جودة بالقول :" الأطباء يستغربون أن سعيد لا يزال على قيد الحياة في وجود هذه النسب المتدنية جدا، لكن ليس بوسعهم سوى حقنه بوحدتي دم يوميا للحفاظ على حياته، أصبح يقضي اغلب وقته في المستشفى".
وحتى تحسن فاطمة معنويات ابنها قليلا تطلب من الأطباء إذنا للذهاب به المنزل كل عشرة أيام ليرى شقيقه ويقضي وقتا برفقته، " حين يحين موعد العودة للمستشفى يبدأ سعيد بالصراخ، يكره ان يسمع اسم المستشفى أو أن يمكث فيه لكن ليس باليد حيلة".
وفي منزل عائلتها الآيل للسقوط تضطر فاطمة لترك ابنها الاصغر ايهم كي ترافق سعيد في المستشفى الأمر الذي يؤثر سلبا على نفسية الاثنين، " نفسية سعيد تدهورت كثيرا فهو يبكي ليلا ونهارا لا يريد البقاء في المستشفى، انخفض وزنه من خمسة وأربعين كيلو جراما لسبعة وعشرين فقط في ثلاث أشهر حتى أصبح قفصه الصدري بارزاً ".
وتقول :" ابني يموت بين يدي ولا أستطيع مساعدته باي شيء، تصارع الحياة في أروقة المستشفى يحاول الأطباء مساعدته لكن ليس باليد حيلة، لا حل أمامنا سوى السفر للخارج وهو أمر يبدو مستحيلا حاليا في ظل صعوبة إجراءات الاجلاء الطبي في قطاع غزة".
وتناشد جودة المؤسسات الصحية الدولية بسرعة إجلاء ابنها للعلاج بالخارج، كون الوقت يعتبر عاملا حاسما في حالته الصحية، فأي تأخير قد يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه في ظل عدم وجود أي نوع من العلاج لسرطان الدم في غزة .
وتؤكد وزارة الصحة في غزة – في بيان سابق – أن حياة أكثر من 4 آلاف مريض بالسرطان باتت مهددة بسبب شح الأدوية، مشيرة إلى أن الأوضاع الصحية والإنسانية لمرضى السرطان وصلت إلى مرحلة "التفاقم الكارثي"، في وقت تستمر تداعيات حرب الإبادة.
وبين ركام الحرب وأروقة المستشفى، يخوض سعيد معركة جديدة لا تقل قسوة عن المجزرة التي نجا منها. ومع غياب العلاج داخل غزة، يبقى الإجلاء الطبي العاجل نافذته الأخيرة للنجاة، في حين يواصل الوقت تقدمه أسرع من قدرة المرضى على الاحتمال.

