﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5)
لم تكن أول كلمة نزلت من السماء على هذه الأمة: قاتِل، ولا احمل السيف، بل كانت ﴿اقْرَأْ﴾؛ لتعلن أن معركة الوعي تسبق معركة السلاح، وأن بناء الإنسان مقدم على بناء العمران، وأن القلم هو أول أدوات الاستخلاف في الأرض.
ومن هنا، فإن استهداف التعليم في غزة لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان محاولةً لإطفاء نور المعرفة، وقطع الطريق على مستقبل شعب أراد الله له أن يبقى شاهدًا على الحق ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
لم تستهدف حرب الإبادة في غزة المدارس والجامعات فحسب، بل استهدفت الإنسان في عقله قبل جسده، وذاكرته قبل حاضره، ومستقبله قبل واقعه، في محاولة لاقتلاع الهوية الفلسطينية من جذورها.
ومع ذلك، أثبتت غزة أن التعليم ليس جدرانًا تُهدم، ولا مقاعد تُحرق، ولا كتبًا تُدفن تحت الأنقاض، بل هو إرادةٌ تُبنى، ورسالةٌ تُحمل، وعقيدةُ أمة تؤمن بأن الله ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
لقد تحولت العملية التعليمية إلى معركة القلم ﴿َالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، وأصبحت كل حصة دراسية خندقًا، وكل معلم مرابطًا، وكل طالب مشروع مستقبلٍ يأبى أن يُدفن تحت الركام. وفي الوقت الذي أراد فيه الاحتلال أن يجعل المدارس أطلالًا، جعلها الفلسطينيون رمزًا للصمود، لأنهم يدركون أن هزيمة الأمة تبدأ حين تُهزم مدارسها، وأن نهضتها تبدأ حين يبقى فيها معلم يعلّم، وطالب يتعلم.
لقد استشهد عشرات الآلاف من الطلبة والمعلمين، وارتقى كثير منهم وهم يحملون كتبهم وأحلامهم ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾، ودُمِّرت معظم المدارس والمؤسسات التعليمية، وتحولت الفصول إلى مراكز إيواء، والسبورات إلى جدران مهدمة، لكن القلم ظل يكتب، والكتاب ظل يُقرأ، والامتحان ظل يُعقد، والخيمة والمقهى تحولا إلى قاعات امتحان، ليكتب أبناء غزة صفحةً جديدة في تاريخ الإنسانية، عنوانها أن الإرادة أقوى من الدمار، وأن المعرفة لا تُقصف.
وجاء إعلان نتائج الثانوية العامة ليؤكد أن إرادة التعلم كانت أقوى من آلة الحرب، وأن شهادة الثانوية العامة لم تعد مجرد وثيقة نجاح، بل أصبحت وثيقة بقاء، وشهادةً على أن مشروع الإبادة أخفق في كسر الإنسان الفلسطيني. امتزجت دموع الفرح بدموع الفقد، وغاب شهداء كانوا يحلمون بهذه اللحظة، لكن أبناءهم وإخوتهم أكملوا الطريق ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
ولم تكن هذه المعركة معركة دمارٍ مادي فحسب، بل كانت أيضًا معركة إدارة وقيادة وتخطيط.
فقد كشفت الحرب الحاجة إلى تفكير استراتيجي أكثر عمقًا، وإلى حوكمة أكثر مرونة، وإلى بدائل تعليمية أكثر قدرة على الصمود، ومع ذلك استطاعت القيادات الميدانية والمبادرات المجتمعية أن تبتكر حلولًا حافظت على الحد الأدنى من استمرارية التعليم، في صورة تؤكد أن الأزمات قد تهدم الأبنية، لكنها قد تبني مؤسسات أكثر نضجًا إذا أحسن الناس إدارتها.
واليوم، تدخل غزة مرحلة جديدة من معركة التعليم؛ معركة لا يقل فيها الذكاء الاصطناعي، والتعليم الرقمي، والاتصال الاستراتيجي، والشراكات الوطنية والدولية أهمية عن إعادة بناء الحجر.
فالمطلوب ليس فقط إعادة إعمار مدرسة، بل بناء منظومة تعليمية ذكية ومرنة، قادرة على الاستمرار في أوقات السلم والحرب، وتحويل المعرفة إلى قوة وطنية، والتعليم إلى أحد أعمدة الأمن القومي الفلسطيني.
وقد جعل الإسلام طلب العلم عبادةً لا تقل شأنًا عن سائر القربات، فقال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وقال ﷺ: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع».
وإذا كان طالب العلم يحظى بهذه المنزلة في أوقات الرخاء، فإن منزلته في زمن المحنة، وهو يتجاوز الخوف والجوع والدمار ليحفظ علمه ومستقبل أمته، أعظم أجرًا وأرفع مقامًا عند الله.
إن مستقبل غزة لن يُبنى بإعادة إعمار المدارس وحدها، بل بإعادة إعمار الإنسان؛ بعقله، وقيمه، وإيمانه، ومهاراته، وبقيادة استراتيجية، وحوكمة رشيدة، وتكنولوجيا مسخرة لخدمة الإنسان والهوية الوطنية، وشراكات فاعلة تجمع الحكومة، والأونروا، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والشركاء الدوليين في مشروع وطني جامع عنوانه: إنقاذ التعليم قبل فوات الأوان.
وسيظل القلم، الذي افتتحت به الرسالة الخاتمة، أقوى من كل أدوات الهدم، وستبقى المدرسة الفلسطينية مصنع الرجال وصانعة الوعي، وسيظل التعليم الاستثمار الأعظم في حماية الهوية وصناعة المستقبل.
وما نجاح طلبة الثانوية العامة في قلب الإبادة إلا شاهدٌ خالد على أن إرادة المعرفة أقوى من آلة الحرب، وأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لإعادة بناء الوطن، تحقيقًا لوعد الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وليبقى صوت غزة يردد في وجه العالم كله: سنبني أبناءنا بالعلم، كما صمدنا بالإيمان، وسيبقى القلم شاهدًا على أن الحياة أقوى من الموت، وأن الحق أبقى من الطغيان.

