فلسطين أون لاين

أفول الطبقة الوسطى.. حين يصبح البقاء إنجازًا (3-3)

خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد الحرب، لم تعد قرارات الأسر الفلسطينية تُتخذ فقط وفق منطق الحاجة أو القدرة، بل وفق منطق الخوف من المجهول. فالمشكلة لا تتمثل في أن الأسر أصبحت أقل قدرة على الإنفاق، بل في أنها أصبحت أقل قدرة على التخطيط. فالقرار الاقتصادي الذي تحكمه الثقة يختلف جذريًا عن القرار الذي يحكمه القلق. في الحالة الأولى، يفكر الفرد في الاستثمار والتوسع وتحسين المستقبل؛ أما في الحالة الثانية، فإنه ينشغل بتقليل المخاطر وتأجيل الالتزامات وحماية ما تبقى.

ولهذا فإن اقتصاد الخوف لا يظهر فقط في انخفاض الاستهلاك، بل في تراجع الاستعداد للمبادرة. فالشاب الذي يؤجل تأسيس مشروعه لا يفعل ذلك دائمًا بسبب نقص التمويل فقط، بل بسبب غياب اليقين حول جدوى المحاولة. والأسرة التي تؤجل شراء منزل أو الاستثمار في تعليم أبنائها لا تتخذ قرارًا ماليًا بحتًا، بل تستجيب لشعور متزايد بأن المستقبل لم يعد مكافأة متوقعة للجهد.

إن الطبقة الوسطى لا تقوم فقط على مستوى دخل معين، بل على إيمان اجتماعي بأن العمل والجدية والتعليم يمكن أن تقود إلى تحسن تدريجي في المكانة الاقتصادية. وعندما يتآكل هذا الإيمان، يبدأ التفكك الحقيقي. ولعل أخطر ما تفعله الأزمات الممتدة أنها تجعل الاستثناء قاعدة. فالأسرة التي كانت تعتبر الاستدانة علامة على أزمة، قد تراها اليوم جزءًا طبيعيًا من إدارة الحياة. 

وهنا يكمن التحول الأعمق؛ عندما يعيد الناس تشكيل الوعي تجاه إمكاناتهم. وحين يصبح أقصى الطموح هو الحفاظ على الموجود، يكون المجتمع قد انتقل من اقتصاد يقوم على الأمل والارتقاء والمبادرة والابداع إلى اقتصاد يقوم على المخاوف.

خاتمة

ليست الأزمات الاقتصادية خطيرة فقط بما تسببه لحظة وقوعها، بل بما تتركه بعد أن تصبح جزءًا من المشهد اليومي. فالخطر الأكبر لا يكمن دائمًا في الصدمة الأولى، بل في قدرة المجتمع على التكيف معها إلى درجة فقدان الإحساس بكونها أزمة. وعندما يعتاد الناس على مستوى متراجع من المعيشة، تصبح الأزمة جزء من الحياة الطبيعية.

خلال السنوات الماضية لم يواجه الاقتصاد الفلسطيني أزمة واحدة يمكن تجاوزها ثم العودة إلى المسار السابق، بل سلسلة متراكمة من الأزمات التي أعادت كل واحدة منها تعريف حدود الممكن*. أزمة مالية تتبعها أزمة سيولة، ثم أزمة في سوق العمل، ثم ارتفاع في الأسعار، ثم تراجع في القدرة الشرائية، ثم أزمة جديدة تجعل ما سبقها يبدو أقل حدة. وهكذا لا تتراكم الأزمات فقط، بل تتراكم معها قدرة المجتمع على الاحتمال، حتى يصبح التراجع نفسه جزءًا من "الوضع الطبيعي".

وهنا يمكن فهم لماذا تتفاقم الأزمات حين نعتاد سابقاتها. فالاعتياد لا يعني أن الأزمة انتهت، بل يعني أن سقف التوقعات انخفض. ما كان يُعد سابقًا مؤشرًا على تدهور اقتصادي يصبح مقبولًا، وما كان يُنظر إليه كحل مؤقت يتحول إلى نمط حياة. وفي هذه اللحظة تحديدًا تصبح الأزمة أكثر خطورة؛ لأنها لا تعود تواجه مقاومة اجتماعية واضحة، بل تصبح جزءًا من المألوف.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي اقتصاد ليس فقط فقدان الموارد، بل فقدان القدرة على تخيل التعافي. فالمجتمعات التي تمر بأزمات مؤقتة تحافظ عادة على فكرة العودة إلى الوضع الطبيعي، أما المجتمعات التي تتعرض لأزمات ممتدة فتبدأ بإعادة تعريف الطبيعي نفسه. 

ولهذا فإن *أفول الطبقة الوسطى الفلسطينية لا يرتبط فقط بما فقدته من دخل أو مدخرات، بل بما فقدته من يقين بأن الغد يمكن أن يكون أفضل*. فالأزمة الاقتصادية الكبرى هي التي تجعل الفلسطيني يتوقف عن الاعتقاد بأن جهوده قادرة على تغيير واقعه.

المصدر / فلسطين أون لاين