فلسطين أون لاين

بطالة تقارب 29% وانكماش اقتصادي ونقص حاد في السيولة

الضفة الغربية تواجه خنقًا اقتصاديًا يهدد الصمود المجتمعي

...
الضفة الغربية تشهد تدهورًا اقتصاديًا متسارعًا
غزة-رام الله/ رامي رمانة:

تشهد الضفة الغربية في المرحلة الراهنة تدهورًا اقتصاديًا متسارعًا يضع المجتمع أمام تحديات معيشية غير مسبوقة، مع تداخل عوامل داخلية وخارجية تضغط بقوة على مفاصل الحياة اليومية. فقد ساهمت قيود الاحتلال، وعلى رأسها تشديد الإغلاقات ومنع آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، في خنق الحركة الاقتصادية وتقليص مصادر الدخل بشكل حاد، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسواق ومستوى الإنتاج والاستهلاك.

وتأتي هذه الأزمة مع ضعف قدرة المؤسسات الرسمية على التعامل مع الانهيار المتدرج، وسط انتقادات لأداء السلطة في إدارة الملف الاقتصادي، بالتزامن مع تراجع فرص الحصول على دعم خارجي نتيجة الأزمات الإقليمية والدولية التي أثرت في الدول المانحة.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء إلى استمرار الضغوط على اقتصاد الضفة الغربية، إذ بقي الناتج المحلي الإجمالي عام 2025 أقل بنحو 20% مقارنة بعام 2023، رغم تسجيل تحسن محدود مقارنة بعام 2024، في حين ارتفع معدل البطالة في الضفة الغربية إلى 28.7% خلال عام 2025.

كما شهد اقتصاد الضفة انكماشًا حادًا خلال عام 2024 وصل إلى نحو 17%، مع ارتفاع معدلات البطالة إلى قرابة 29%، في ظل فقدان عشرات آلاف العمال الفلسطينيين مصدر دخلهم بعد منعهم من العمل داخل أراضي الاحتلال، ما شكل ضربة مباشرة للأسر الفلسطينية والقطاعات المرتبطة بالإنفاق المحلي.

الرئيس السابق للاتحاد العام للصناعات الفلسطينية نور الدين جرادات قال إن الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية تشهد تدهورًا ملحوظًا نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها نقص السيولة المالية، ومنع دخول العمال الفلسطينيين للعمل في الداخل المحتل، وتراجع دعم المانحين للمؤسسات الفلسطينية، إلى جانب تشديد الإجراءات الميدانية التي تشمل إغلاق المناطق وعزلها عن بعضها البعض.

وأوضح جرادات لصحيفة "فلسطين" أن هذه الإجراءات زادت الضغوط على المواطنين، خاصة مع القيود المفروضة على الحركة والتنقل، لافتًا إلى أن مدينة الخليل وحدها تضم أكثر من 120 بوابة، ما يعكس حجم الإغلاقات وتأثيرها على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية.

وأضاف أن حالة نقص السيولة في الأسواق أدت إلى تراجع القدرة على تنفيذ عمليات الشراء اللازمة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على انخفاض الإنتاج، مشيرًا إلى أن العديد من أصحاب المنشآت اضطروا إلى إعادة ترتيب أولوياتهم المالية وتقنين النفقات، خاصة ما يتعلق بتكاليف العمالة.

وبيّن جرادات أن مشكلة الشيكات المرتجعة باتت من أبرز التحديات التي تواجه التجار، نتيجة عدم توفر الأموال الكافية لتغطيتها، ما يزيد من حالة عدم الاستقرار المالي في السوق.

وأكد أن هذه العوامل مجتمعة انعكست على تراجع الإنتاج وانخفاض مستويات الاستهلاك والشراء، وهو ما أثر بشكل مباشر على حياة المواطنين ومستواهم المعيشي.

كرة ثلج متدحرجة

من جهته، حذر الخبير الاقتصادي د. نائل موسى من تدهور بنيوي حاد وغير مسبوق يعصف بالوضع المالي والمعيشي في الضفة الغربية، واصفًا التراجع الراهن بأنه يشبه "كرة ثلج" متدحرجة من الأزمات المتراكمة التي تتفاقم يوميًا.

وأوضح موسى لصحيفة "فلسطين" أن الأزمة الحالية بدأت ملامحها مع اقتطاع وتجميد أموال المقاصة وتراجع مستويات الدخل، بالتزامن مع منع العمال الفلسطينيين من الدخول إلى مناطق الداخل المحتل وانخفاض وتيرة الرواتب.

وبيّن أن المواطنين اعتمدوا في المراحل الأولى للأزمة على مدخراتهم الشخصية واحتياطاتهم المالية لتسيير شؤونهم الأساسية، إلا أن استمرار الأزمة أدى إلى استنزاف هذه الموارد تدريجيًا، ودفع العائلات إلى استخدام أصولها واحتياطاتها المخصصة للمستقبل.

وانتقد موسى أداء السلطة والمؤسسات الحكومية في إدارة الأزمة المالية، معتبرًا أن التعامل معها اقتصر على ردود أفعال مؤقتة بدل إطلاق سياسات اقتصادية هيكلية، مشيرًا إلى أن صرف أجزاء من مستحقات الموظفين قد يوفر حلًا مؤقتًا، لكنه يراكم الديون والالتزامات على المواطنين.

وأكد أن المشهد الاقتصادي بات يدور في "دائرة مفرغة"، حيث يؤدي تراجع السيولة إلى انخفاض الاستهلاك، ثم إلى مزيد من الركود وتراكم الالتزامات، محذرًا من التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد مشكلة رواتب أو ديون مؤجلة.

وفيما يتعلق بالدعم الخارجي، أوضح موسى أن قدرة الدول الداعمة على إسناد الاقتصاد الفلسطيني تراجعت بفعل التحولات الإقليمية والدولية، إضافة إلى الأزمات التي تواجه دول الخليج العربي التي شكلت تاريخيًا مصدرًا مهمًا للمساعدات والتوظيف.

وفي سياق أوسع، تحدث تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية بتاريخ 15 حزيران/يونيو 2026 عن دخول اقتصاد الضفة الغربية مرحلة "خنق اقتصادي مباشر"، في ظل تصاعد الضغوط المالية والتجارية منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وأوضح التقرير أن الاقتصاد الفلسطيني لم يعد يواجه تداعيات تقليدية للصراع، بل انتقل إلى مرحلة استخدام الأدوات المالية والمصرفية والتجارية كوسائل ضغط أثرت على السيولة والاستثمار والقدرة الشرائية.

وبيّن التقرير أن جذور الأزمة تعود إلى طبيعة العلاقة الاقتصادية منذ عام 1967، وترسخت عبر بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، الذي أبقى السيطرة على المعابر والتجارة الخارجية والنظام النقدي بيد الاحتلال، ما جعل الاقتصاد الفلسطيني أكثر هشاشة واعتمادًا على الخارج.

كما تناول التقرير أزمة أموال المقاصة، معتبرًا أن الاقتطاعات والقيود المفروضة عليها فاقمت الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، وأثرت على قدرتها على دفع الرواتب وتقديم الخدمات، وانعكست على النشاط الاقتصادي والاستهلاك.

وأشار إلى أن تشديد الحواجز والإغلاقات أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وتجزئة الأسواق الفلسطينية، فيما تسببت القيود على العلاقات المصرفية في خلق حالة من عدم اليقين أثرت على الإقراض والاستثمار.

وبين استمرار القيود على الحركة، وتراجع مصادر الدخل، وتآكل السيولة، تواجه الضفة الغربية أزمة اقتصادية تتجاوز المؤشرات المالية المباشرة، لتتحول إلى تحدٍ اجتماعي ومعيشي يهدد قدرة المجتمع على الصمود في المرحلة المقبلة.

المصدر / فلسطين أون لاين