حذر مسؤول فلسطيني من أن استمرار العملية العسكرية العدوانية التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس مدة طويلة، قد يفتح الباب أمام تمددها إلى مخيمات ومناطق أخرى في الضفة الغربية المحتلة، مع غياب أي تحرك دولي وفلسطيني يرقى إلى مستوى العدوان المتواصل.
ومنذ 21 يناير 2025، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه العسكري على مخيمات شمالي الضفة الغربية، الذي بدأ في مخيم جنين قبل أن يمتد إلى مخيمي طولكرم ونور شمس.
وأسفر العدوان عن استشهاد عشرات الفلسطينيين، وإصابة واعتقال المئات، وتدمير مئات المنازل والمباني السكنية، ونزوح أكثر من 40 ألفا من سكان مخيمات شمالي الضفة.
وأوضح محمد عمارة عضو اللجنة المركزية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وعضو لجنة التنسيق الفصائلي في طولكرم، أن الاحتلال حاول منذ البداية أن يقدم عمليته على أنها مؤقتة ومحدودة بأيام معدودة، لكنه سرعان ما كشف عن نواياه الحقيقية عبر تمديد العدوان، وتحويله إلى واقع مفتوح يستهدف البنية التحتية والمنازل والمخيمات التي دمرها بشكل كبير.
واعتبر أن ما يجري ليس مجرد اجتياح عسكري، بل سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل شمال الضفة الغربية على نحو يخدم المشروع الإسرائيلي في المنطقة.
وأشار إلى أن المخيمات المستهدفة تعيش واحدة من أصعب المراحل في تاريخها، بعدما تحولت أحياء واسعة منها إلى مناطق مدمرة وغير صالحة للسكن نتيجة التجريف والهدم والاقتحامات المتواصلة. مبينا أن هذا التدمير لا يقتصر على المباني، بل يطال الذاكرة الجمعية والرمزية الوطنية للمخيم بوصفه شاهدا حيا على النكبة وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
وبين عمارة في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن الاحتلال يتعمد استنزاف السكان عبر الحصار والاقتحامات المتكررة ومنع الاستقرار، في محاولة لدفع العائلات إلى النزوح القسري وترك المخيمات فارغة أو شبه فارغة. مضيفا أن هذه السياسة تمثل امتدادا للعقاب الجماعي الذي يمارسه الاحتلال بحق المدنيين، وهو ما يجعل الكارثة الإنسانية تتفاقم مع مرور الوقت.
وأكد أن أعداد النازحين تجاوزت 40 ألف مواطن من مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين ومحيطها، وهو رقم يعكس حجم المأساة التي يعيشها الأهالي اليوم. قائلا، إن آلاف العائلات وجدت نفسها بلا مأوى، أو مضطرة إلى استئجار بيوت بأسعار مرتفعة تفوق قدرتها، في وقت تراجعت فيه فرص الدعم الفعلي والمستدام.
ولفت إلى أن احتياجات النازحين لا تقتصر على السكن المؤقت، بل تمتد إلى الغذاء والرعاية النفسية والاجتماعية والتعليم، خاصة مع وجود أطفال وكبار سن ومرضى بين صفوف المهجرين.
وأكد أن التعامل من مختلف الجهات مع الأزمة بمنطق المساعدات المحدودة أو الطارئة لا يكفي، لأن المطلوب هو خطة شاملة تواكب حجم الكارثة وتضمن صمود الناس.
وانتقد عمارة ضعف البرامج الموجهة من السلطة الفلسطينية والمؤسسات الدولية لدعم الأسر المتضررة، مشيرا إلى أن ما جرى تقديمه حتى الآن لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات النازحين، وأن بدل الإيجار المحدود الذي جرى الحديث عنه لا يوازي حجم الأعباء الملقاة على عاتق العائلات.
واعتبر أن غياب خطة إغاثة فلسطينية جدية يعكس قصورا واضحا في الاستجابة للمعاناة العميقة.
وقال، إن مسؤولية مواجهة العدوان لا تقع على الأهالي وحدهم، بل على جميع القوى والفصائل والسلطة، داعيا إلى موقف وطني موحد يتجاوز الحسابات الضيقة والانقسامات السياسية. وأكد أن الوحدة الوطنية في هذه المرحلة ليست خيارا ثانويا، بل شرط أساسي لوقف تمدد العدوان والتصدي لسياسات الاحتلال.
وأضاف أن الاحتلال يراهن على حالة التشتت والصمت الدولي، مستفيدا من غياب ردع حقيقي يسمح له بفرض وقائع جديدة على الأرض دون تكلفة سياسية أو قانونية. وبين أن استمرار هذا الوضع قد يشجع الاحتلال على توسيع عملياته لتشمل مخيمات أخرى، الأمر الذي يتطلب يقظة وطنية ومجتمعية شاملة.
وأشار عمارة إلى أن المخيمات الفلسطينية كانت دائما ركيزة للصمود الوطني، وأن استهدافها اليوم يأتي لأنها تمثل الحاضنة الشعبية والذاكرة الحية لقضية اللاجئين وحقهم في العودة. وقال إن الاحتلال يريد كسر هذه الرمزية التاريخية، لكنه يواجه مجتمعا ما زال متمسكا بأرضه وحقوقه رغم كل أشكال القمع والتهجير.
وأوضح أن ما يجري في شمال الضفة هو جريمة مستمرة تتطلب تدخلا عاجلا من المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية، من أجل وقف التدمير والتهجير ومحاسبة الاحتلال على انتهاكاته. مشددا على أن الصمت الدولي لم يعد مقبولا، لأن استمرار العدوان من دون ردع سيؤدي إلى مزيد من الكوارث الإنسانية.
وبيّن أن المخيمات بحاجة إلى دعم مادي ومعنوي عاجل، يشمل الإسكان المؤقت، والتعويضات، وتأمين الخدمات الأساسية، إلى جانب برامج ميدانية لمساندة العائلات المتضررة. مضيفا أن صمود المواطنين هو السد الأول في مواجهة مخططات الاحتلال، ولذلك يجب توفير كل ما يلزم لتعزيز قدرتهم على البقاء.
وأكد عمارة أن الاحتلال يسعى من خلال إطالة أمد العملية إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وفرض واقع جديد يغير طبيعة المخيمات ودورها الوطني. وقال إن هذه المحاولة لن تمر إذا وجد موقف فلسطيني موحد وإسناد شعبي واسع، إلى جانب تحرك عربي ودولي حقيقي يوقف العدوان.
وشدد على أن أهل المخيمات لن يتخلوا عن حقهم في العودة ولن يقبلوا بسياسة الأمر الواقع، رغم حجم الدمار والتهجير والمعاناة. مجددا الدعوة إلى تحويل قضية النازحين من المخيمات إلى أولوية وطنية عاجلة، والانتقال من ردود الفعل المحدودة إلى خطة شاملة تحمي الإنسان الفلسطيني وتصون مستقبل المخيمات

