تحول جدري الماء من مرض موسمي يسهل احتواؤه إلى تهديد صحي متصاعد في قطاع غزة، بعدما سجلت وزارة الصحة نحو 9300 إصابة خلال أسبوعين، أكثر من نصفها في محافظة خان يونس.
ويأتي ذلك مع استمرار حالة النزوح الجماعية، إذ أسهم الاكتظاظ داخل المخيمات، وتراكم النفايات، ونقص المياه النظيفة، وتدهور خدمات الصرف الصحي، في خلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، وسط عجز المنظومة الصحية عن مواكبة الارتفاع المتسارع في أعداد الإصابات.
داخل إحدى خيام النزوح، تعيش فاطمة أبو شراب مع أسرتها معاناة يومية بعد إصابة ابنتها بجدري الماء ونقلها إلى المستشفى لتلقي العلاج.
تقول أبو شراب لصحيفة "فلسطين" إن المرض لم يتوقف عند طفلتها، بل امتد بين أفراد الأسرة، في وقت يستحيل فيه عزل المصابين داخل خيمة ضيقة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.
وتضيف أن الخيمة تنتشر فيها الحشرات والأوساخ، بينما تعجز الأسرة عن توفير احتياجاتها الأساسية أو حتى تكاليف المواصلات، ما يجعل رحلة العلاج عبئًا إضافيًا يثقل كاهلها.
مضاعفات أكثر خطورة
ويؤكد استشاري الأمراض الجلدية في مجمع ناصر الطبي، د. عامر المصري، أن قطاع غزة يشهد انتشارًا واسعًا لجدري الماء نتيجة الظروف الاستثنائية التي يعيشها النازحون، موضحًا أن الاكتظاظ الشديد داخل المخيمات، وقلة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، عوامل سَرَّعت انتقال الفيروس بين السكان، ولا سيما أنه ينتقل عبر الرذاذ التنفسي والاحتكاك المباشر بالمصابين.
ويبين المصري أن المرض يبدأ عادة بارتفاع في درجة الحرارة وآلام في المفاصل، ثم تظهر بثور جلدية تنتشر سريعًا في مختلف أنحاء الجسم.
ورغم أن جدري الماء يعد في الظروف الطبيعية من الأمراض التي تشفى تلقائيًا مع العلاج الداعم، فإن الأوضاع الحالية في غزة جعلت التعامل معه أكثر تعقيدًا، بسبب صعوبة توفير بيئة صحية للمصابين، واستمرار النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويحذر من أن المستشفيات بدأت ترصد مضاعفات أكثر خطورة، تشمل التهاب الأذن الوسطى، والتهاب الرئة، والتهاب الدماغ، إضافة إلى التهابات بكتيرية ثانوية تصيب الجلد، وهي مضاعفات يصعب علاجها في ظل محدودية الإمكانات الطبية، كما أن استحالة عزل المرضى داخل الخيام، واعتماد آلاف الأسر على مصادر مياه وخدمات مشتركة، يزيدان من سرعة انتقال العدوى واتساع رقعتها.
ولا تقتصر الإصابات على الأطفال، إذ يؤكد المصري أن المرض طال أيضًا الشباب وكبار السن، ولا سيما أصحاب المناعة الضعيفة، فيما تستدعي بعض الحالات إدخال المرضى إلى المستشفى بسبب ارتفاع درجات الحرارة وشدة الأعراض.
ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، تبدو مخيمات النزوح عاجزة عن احتواء الأمراض المعدية، بعدما تحولت الخيام، التي لجأت إليها آلاف الأسر هربا من القصف، إلى بؤر مفتوحة لانتشار الأوبئة، فيما تواصل القصف الإسرائيلي حصد أرواح المزيد من المدنيين.
وبين نقص الدواء، واستمرار النزوح، وغياب مقومات الوقاية، تتسع دائرة الإصابة يومًا بعد آخر، لتضيف أزمة صحية جديدة إلى سلسلة الأزمات التي يواجهها سكان قطاع غزة.

