فلسطين أون لاين

غفران زامل تروي لقاء "رجل الظل" قبل طوفان الأقصى بأيام

...
غفران زامل

كان ذلك قبل "طوفان الأقصى" بأيام قليلة، حين ورد غفران اتصالا يطلب منها القدوم إلى مكان ما في قطاع غزة للقاء شخص يود السلام عليها، حيث كانت يومها حديثة القدوم إلى غزة، التي تمثل مهبط قلب حسن سلامة ودرة التاج التي ينتظر لقائها.

"وصلتُ وإذ بهم يعرّفون الحج الكبير، لم أتمالك نفسي يومها، ولم أستطع حبس دموعي التي انهمرت لنصف ساعة أمامه"، إنه رفيق حسن، وآخر من التقى به مودعا حين سلك مسلك الشهيد يحيى عياش للانتقال للضفة الغربية ليقود "عمليات الثأر المقدس".

وغفران زامل هي صحفية وناشطة فلسطينية من مدينة نابلس، عُرفت بصمودها ودعمها لقضية الأسرى. ارتبطت بالقيادي الأسير في كتائب القسام "حسن سلامة" المحكوم بالمؤبد، وتخوض معه ملحمة انتظار وصبر امتدت لسنوات طويلة.

"إنه ذات الصوت!"

تروي غفران زامل، تفاصيل اللقاء الذي جمعها بالشهيد القائد محمد الضيف، قائد أركان كتائب الشهيد عز الدين القسام، قبل انطلاق طوفان الأقصى بنحو أسبوعين، "ما كنت مصدقة إني بشوفه، ولا كنت أساسا مصدقة أنه هو عايش"، ولتزيل شكوك قلبها، كان أول ما طلبت منه "أحكي".

تود سماع صوته فإذا به ذات الصوت الذي يسمعه الناس في تسجيلاته النادرة التي ظهرت عبر الإعلام، "قلتله اه هو نفس الصوت اللي بنسمعه، يعني مش دبلجة ولا مؤثرات"، استغرب الضيف من ردة فعل زامل.

لتصارحه قائلة "ما تستغرب، أنت ما بتعرف شو محمد الضيف بالنسبة النا، احنا بنفكرك ميت بس حماس باقية على اسمك وظلك كأسطورة، احنا عايشين على صوتك وظلك"، لتمضي الدقائق الأولى من اللقاء مراقبة حركاته وحديثه، بينما كان يحاول كسر الجمود بمزحات عن خطيبها ورفيق دربه حسن سلامة.

تصفه غفران "الشخص الذي تخاف إسرائيل منه، لا تجد في العالم إنسانا بتواضعه وإنسانيته وصدقه وطيبته وعفويته التي كانت ظاهرة على كلامه وحديثه"، تنهدت غفران ثم قالت "إنسان مستحيل أن يتكرر".

ذاكرة فولاذية

طغت ذكريات الضيف مع حسن أيام الانتفاضة الأولى على بداية اللقاء، ذكر حينها الضفة الغربية التي زارها آنذاك، "إنه يحفظ أسماء القرى والمدن وشوارع كل مدينة، كنت مصدومة من دقة وصفه وحفظه، هذا الضيف المشغول دائما والذي مرّ على أهوال كثيرة، إنه يحفظ كل تفاصيل الأماكن التي زارها"، تقول غفران.

وتضيف "حدثني عن حسن وكيف عاش معه وعن الأعمال التي أنجزوها معا وعن ذكرياتهم عندما كانت تلاحقهم دوريات جيش الاحتلال في خانيونس، عن حبه لحسن واشتياقه الشديد له".

لا زال الضيف يتابع أدق تفاصيل رفيقه حسن، "انبسطت جدا لما عرفت بخطوبتكم من داخل سجنه، وأتابع أخباره وتفاصيله وبعرف قديش هالخطوبة غيرت حسن، وبتابع أمور سفرك ووين وصلتوا في البيت".

نعم، هو ذاته الضيف المنشغل بجيشه وقضيته، ينشغل أيضا بتفاصيل رفاقه، لا زال يذكر "اللحوح" وكيف أن سنوات السجن لم تغيره، روى الضيف مواقفه مع حسن ومنها "كيف ألح يومها عليه ليكون استشهاديا منتقما لدماء يحيى عياش، لكن الضيف رفض.

الضيف يواجه الجنود وجها لوجه

أما ذكرياتهما خلال ملاحقة الاحتلال في خانيونس، فيذكرها الضيف وكأنها حاضرة أمامه، حين لاحقتهم جيبات الاحتلال وهربا إلى منزل فداهم الجنود المنزل، لكن حسن تمكن من الهروب من باب خلفي وبقي أبو خالد، وعندما دخل الجنود سألوه عن مطلقي الحجارة، ليخبرهم الضيف عن طريق مغاير ولم يعرفوا أنه الضيف.

موقف آخر يرويه الضيف، يوم طارده جيب إسرائيلي ورفيقه حسن، فأخذا سيارة كانت تقف في الطريق وهربا بها بعيدا، ثم أعادوها لصاحبها.

متابعة أدق التفاصيل

كان حسن محور حديث اللقاء، وذكريات يرويها الضيف بابتسامات تعيده إلى تلك المواقف وكأنها الأمس، يرفع الضيف حاجبيه وهو يروي كيف تلقى خبر خطوبة حسن في سجنه، "مجنون بعمل كل شي"، قالها الضيف مبتسما.

تقول غفران "كان مستغرب من فكرة أنه كيف أقدم على هيك قرار رغم سجنه المؤبد"، وعلق الضيف متابعا "يومها قلت غفران أجت لحسن بوقتها، وربنا هيأكم لبعض".

وتتابع "إنه يتابع كل أخبار حسن داخل سجنه، وتوصله كل رسالة يكتبها حسن، وكل شيئ ينشره على الإعلام، كان عارف إنه حسن ما رح يقتنع بكل إجاباتنا عن أي تساؤل بسأله حول الصفقات والتحرير، وهو اللحوح الذي يحاول معرفة كل تفاصيل ما يدور".

"سعدت عندما علمت بقراركما شراء أرض وبناء بيت عليه في غزة"، يقول الضيف لغفران، ثم يحدثها عن أكثر المحطات قسوة، حين قرأ كتاب حسن عن عزله، "تألمت على كل حرف كتبه حسن وعاشه"، ردّ الضيف.

وأكمل محدثا عن اشتياقه لحسن وأمنيته بأن يراه حرا، وبينما غلبت الدموع المشهد، كسر الضيف الحزن بقوله "أكيد هلا اتصل عليك ألف مرة، وشوي هيرن على كل غزة تدور عليك"، قالها الضيف لغفران بعد وقت طويل من اللقاء الذي كان خاليا من وجود أي هاتف محمول.

طلبُ من الضيف صورة معه، فجاملني حبا لحسن، رغم أنني لم أنل بحفظ الصورة معي، لكنني نلت يومها شرف أن جمعني اللقاء بالضيف وصورة كان يود لو كان حسن في إطارها.

السؤال الذي صدم الضيف

سألته في ختام اللقاء عن "الموعد الذي سيرى الناس فيه محمد الضيف؟ ويكشف فيه عن وجهه؟"، بدا السؤال صادما له، وبعد لحظة سرح فيها قال "في اليوم اللي بكون فيه مدعاة، الناس كلها رح تعرفني".

ثم سأل "قديش مهم الناس تشوف صورتي؟"، مبديا استغرابه من فكرة أن الناس تراه بمكانة كبيرة "تفوق الحد"، يومها داهمت غفران استغراب الضيف بقولها "يوم التحرير، ويوم تصلي بنا إماما في الأقصى إن شاء الله سيراك العالم كله"، ابتسم الضيف وسكت.

"غزة كلها بتستناك"

حمّل الضيف غفران رسالة إلى رفيق دربه، "سلمي عليه واحكيلوا غزة كلها بتستناك"، ثم ختم الضيف وصيته لضيفته، ألا تخبر حسن في اللقاء إلا بعد أيام، فهو يعلم أنها لن تخفي السر العظيم عنه، ويعلم أن صديقه "اللحوح" سيظل يسأل عن الغياب الطويل لها دون استخدام هاتفها.

المصدر / شهاب