في ساحة تقع على مقربة من مكان مجزرة عائلة "أبو شريعة والحساينة" بحي الصبرة جنوب مدينة غزة، تراصت جثامين 112 شهيدًا من العائلة الذين انتُشل رفاتهم قبل يومين بعد جرح انتظار مفتوح ظلت العائلة تعيشه منذ ثلاث سنوات لتغلقه أمس.
كُفنت الجثامين بعلم فلسطين وتناثرت ورود الياسمين فوق الأكفان، وامتلأت الساحة بالمشاركين في التشييع من العائلة والجيران وعائلات جاءت للمشاركة في الجنازة، وشاهد الجيران من فوق البيوت المتضررة وأسطح ركام المنازل المحيطة مراسم التشييع في يوم حزين بكت فيه غزة شهداءها.
اعتاد العالم أن يسمع أخبار الإبادة كحدث في شريط إخباري، أو كرقم يمر لكن الرقم في مجزرة أبو شريعة جسد على الأرض، لم يكن المشهد تمثيليا، بل كان إحدى مآسي الإبادة، ليذكر العالم بالقصة وبدموية القصف خلال الإبادة، الذي كان يستهدف عائلات ومربعات سكنية كاملة فقط لأنها قررت البقاء في مناطقها عندما لم تجد بديلا للنزوح، للتحول تلك البيوت إلى مقابر جماعية كما حدث في بيت عائلة أبو شريعة.

على أكفان الجثامين المتراصة ألصقت صور 44 طفلا قتلهم الاحتلال واستطاعت العائلة انتشالهم بعدما ذابت الملامح بقيت صور ضحكاتهم الجميلة على تلك الصور تختلف عن المشهد داخل الكفن، ومن بين الشهداء رفاة 37 امرأة شهيدة، و9 من ذوي الإعاقة و7 من كبار السن و7 عائلات حذفت من السجل المدني، في حين بقيت جثامين نحو 153 شهيدا مفقودًا لم تستطع العائلة العثور عليهم في أثناء انتشال الرفات، في المجزرة التي يقدر عدد شهدائها بنحو 308 شهداء.
القصة كما حدثت
كان ناهض الحساينة يقف أمام الجثامين، ينظر بمرارة وبعينين دامعتين للمشهد القاسي، في حين يقفز مشهد القصف الذي لم يبعد عنه يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 سوى ثلاثة أمتار لينجو هو والعديد من أفراد العائلة واستشهد العشرات، ويحكي لصحيفة "فلسطين": "هربنا من بيت إلى بيت بعد استهداف معظم منازل العائلة بصواريخ من طائرات إسرائيلية حربية بدون طيار، وتجمعنا في منزل الوزير السابق مفيد الحساينة، اعتقدنا أنه يحظى بحصانة دبلوماسية، جزء كبير من الأفراد كان في الطابق الأرضي "بودروم".
يروي الحساينة وكأنه يعيش الحدث مرة أخرى: "تفاجأنا بقصف الجهة الشمالية من المنزل بستة صواريخ وكل من كان في هذه الجهة استشهد، رأيت المنزل يتهاوى أمام عيني. في الجهة الجنوبية كان معي قرابة 90 شخصا وكتب لهم النجاة، ثم حاولنا انتشال الشهداء وأرسلنا مجموعة من الشباب فجرى استهدافهم بطائرة استطلاع".
وأضاف وهو يحاول استعادة بقية التفاصيل من ذاكرتهم المثقلة بوجع الفقد: " حاولنا مرة أخرى الوصول للمكان وجرى استهدافنا، وعاد الشباب رغم القصف الساعة السادسة صباحا في اليوم التالي وقاموا بإخراج مجموعة من المصابين، كان من بينهم شقيقتي ونجلها وامرأة عجوز ظلوا عالقين تحت الركام".

ويقول إن الرسالة من جنازة الـ "112 شهيدًا" أن عائلات غزة تريد أن تعيش بسلام، وأنه يجب أن تتوقف آلة الحرب المدمرة، ويمثل إخراج الجثامين من تحت الركام "إغلاقا للجرح الذي ظل مفتوحا لثلاثة أعوام".
وتابع بنبرة قهر وعينان دامعتين: "كان صعبا علينا أن نمر على ركام العمارة المدمرة ولا نستطيع انتشال جثامين الشهداء. كنت أرى الأطفال يذهبون ليحدثوا آباءهم الشهداء أسفل العمارة"، لافتا، إلى أن الناس لم تستطع التعرف على غالبية الشهداء، وأنه من جرى التعرف عليهم لا يزيدون على 20 شهيدًا فقط من خلال وثائقهم الشخصية.
"لسنا أرقاما"
على ناحية أخرى وبقرب الجثامين كان محمد زهدي أبو شريعة، يقف بجانب رفاة الطفل خالد (3 سنوات) وهو ابن شقيقه، استطاعت العائلة انتشال جثامين أمه وإخوته قبل سنة عندما جرى انتشال قرابة 40 فردا من العائلة بطريقة يدوية، وظل جثمان الطفل عالقا أسفل الركام.
في وسط صفوف الجثامين كان عبد الرحيم أبو شريعة يجثو أمام مجموعة من الجثامين يقرأ الفاتحة على رفات أبناء عماته وأعمامه بينهم أطفال، ويتساءل في مستهل حديثه لصحيفة "فلسطين": "بأي ذنب قتلهم الاحتلال؟ وبأي ذنب تلقى عليهم ستة براميل؟".
يوم المجزرة نجا عبد الرحيم أبو شريعة بأعجوبة، وشارك في إسعاف مجموعة من المصابين بعد عدة ساعات من المجزرة، ويروي: "كان المشهد مرعبا كأنه زلزال. غادرنا المكان أمام قسوة الأحزمة النارية وبعد ساعات استطعنا العودة، أخرجت شهيدين بقي منهم الجزء العلوي، وكان من ضمن الناجين زوجة عمي وأطفالها الذين اعتقدنا أنهم بين الشهداء".

وبينما ينظر إلى العدد الكبير للجثامين المتراصة بعضها بجانب بعض، والتي لم يشاهدها أي شخص في العالم، قال: "هذه رسالة للعالم أننا لسنا أرقاما وأن لنا عائلات ممتدة، ولنا قصص وهناك أطفال قتلهم الاحتلال".
من بين المشاركين إبراهيم أبو شريعة، الذي فقد ولديه الاثنين وشقيقيه واثنين من أبنائهم وثلاثة من أحفاده، جاء لمواراتهم في الثرى وكأنه يفتح جرحه من جديد، ويقول: "رسالتنا أننا نريد أن يقف شلال الدم والقتل المستمر بحق أبناء شعبنا".
مسير طويل
بعد انتهاء كلمات الدفاع المدني وكلمة العائلة وكلمة العشائر وصلاة الجنازة على الشهداء، حمل المشيعون الشهداء وساروا بهم من مكان المجزرة الواقعة بمنطقة الصبرة جنوب مدينة غزة، سالكين شارعي المغربي والثلاثيني باتجاه المقبرة الواقعة بجانب المستشفى المعمداني حيث جرى دفنهم بقبر جماعي واحد.
تشارك كل أربعة أفراد بحمل جثمان واحد، في حين حمل الأطفال في المقدمة على أيدي ذويهم، وتقدمت سيارات طواقم الدفاع المدني الجنازة التي رغم الإمكانيات المحدودة ما زالت تعمل على انتشال جثامين الشهداء ومواراتهم في الثرى وإغلاق جروح العائلات، ورافقتها سيارات الإسعاف.
كان موكب الشهداء طويلاً أغلق الشوارع على امتداد مسافة كبيرة، حيث كان المواطنون يشاهدون الجنازة على الأرصفة ونوافذ البيوت المتبقية بعلامات صدمة من حجم الجنازة وبشاعة الإجرام، والكثير منهم لم يستطع حبس دموعه، حيث لم يسبق لهم أن شاهدوا جنازة واحدة بهذا الحجم، وردد المشاركون "الله أكبر" وشعارات تدعو لمحاسبة الاحتلال على مجازره، وتطالب بالحرية وأناشيد "أودعكم بدمعات العيون، وزفوا الشهيد".
ولم يخفِ نبيل أبو نحل الذي كان يشارك في التشييع صدمته في أثناء مرور الجنازة بشارع الثلاثيني من المشهد الذي يعده بأنه نادر ولم يحدث على مدار التاريخ أو حتى في نكبة الـ 48، ويقول لصحيفة "فلسطين": "هذه الجنازة الكبيرة تعطي رسالة للعالم أن ما حدث خلال الإبادة كان عملية تطهير عرقي ومجازر إجرامية أدت لمسح عائلات كاملة، اليوم استطعنا رؤية جنازة عائلة واحدة فقط وهناك آلاف العائلات دفنت دون الخروج بجنازة كبيرة مرة واحدة، أو انتشلوا على دفعات، أو حتى لم ينتشلوا بعد".

أما أبو أحمد الذي كان يقف على تلة رملية مرتفعة لحظة وصول الجنازة إلى المقبرة، ويشاهد الجثامين التي كان تنزل واحدا واحدا إلى قبر جماعي كبير تراصت به الجثامين، ووضع شاهد واحد على القبر كتب عليه "شهداء عائلة أبو شريعة" احتار في وصف المشهد، وقال لصحيفة "فلسطين": "هذا المشهد كله قهر، يجب أن ينظروا إلينا بعين الرحمة".
تأخر الفتى جمال باسل أبو شريعة، بعد انتهاء الجنازة، كان يودع والده الذي حمل نعشه من ساحة المجزرة إلى المقبرة.
نجا جمال من المجزرة بعد أربع ساعات ظل فيها عالقا ومدفونا تحت ركام البودروم، ويروي لصحيفة "فلسطين" وهو يستعيد الحدث: "عندما قصفت الطائرات دون طيار المنازل، انتقلنا لبيت ثم إلى بيت ثانٍ وثالث حتى تجمعنا في بيت "مفيد الحساينة" وكنت برفقة قرابة 40 فردا في البودروم، لحظة القصف لم أشعر بشيء، وبقيت ساعتين مغمى علي، ثم أفقت وأدركت أنني عالق بين حجارة وركام. لم أتوقع أن أخرج حيا، إلا عندما سمعت صوت أقاربي ينادون علي، فأجبتهم بأني حي فقاموا بالحفر ثم أخرجوني".
وعلى الرغم من حالته الصعبة التي خرج بها، وانتقاله لبيت آخر لالتقاط أنفاسه وإسعافه قصف الاحتلال بطائرة دون طيار المنزل ليخرج جمال ناجيا ويروي قصة استشهاد والده وأخواله وأعمام أمه، وبعد ثلاث سنوات من الانتظار بالرغم من حزن الفراق هدأت نيران القهر التي كانت تكويه بعدما أصبح لوالده قبر يستطيع زيارته، بعد أن كان يذهب كل يوم ليقرأ عليه الفاتحة وهو تحت ركام منزل العائلة كما فعل الكثير من أفرادها.


