لم تنتظر هيا جمال الأسطل سنوات طويلة داخل كلية الطب لتترك أثرها؛ ففي عامها الجامعي الأول فقط، وبين محاضرات تزخر بالمصطلحات الطبية الإنجليزية والبحث المستمر عن معانيها الدقيقة، بدأت تتبلور في ذهنها فكرة مشروع رأته حلًا لمعاناة يعيشها آلاف طلبة التخصصات الصحية.
هيا، طالبة المستوى الأول في كلية الطب البشري بجامعة الأزهر، أدركت منذ خطواتها الأولى أن دراسة الطب لا تقوم على حفظ المعلومات فحسب، بل هي رحلة طويلة من الفهم والتحليل والبحث المستمر، تحتاج إلى أدوات تعليمية تساعد الطالب على استيعاب المعرفة بطريقة أكثر سهولة وفاعلية.
وتقول لصحيفة "فلسطين": "كانت دراسة الطب مليئة بالتحديات منذ اليوم الأول، فكمية المعلومات والمصطلحات الجديدة تجعل الطالب بحاجة إلى وسائل تساعده على الفهم أكثر من الحفظ". وتضيف أن الطالب لا ينبغي أن يكون متلقيًا للمعرفة فقط، بل قادرًا على ابتكار حلول للمشكلات التي تواجهه وتواجه زملاءه.
ومن هنا بدأت فكرة "مترجم هيا الطبي".
تروي هيا أن الفكرة انطلقت خلال المحاضرات الأولى، عندما لاحظت أن الطلبة يقضون وقتًا طويلًا في التنقل بين القواميس والمواقع والتطبيقات المختلفة بحثًا عن معنى المصطلحات الطبية وطريقة نطقها الصحيحة، فتساءلت: لماذا لا يوجد تطبيق واحد يجمع كل ما يحتاجه الطالب في مكان واحد؟
تحول السؤال إلى مشروع تعليمي متكامل لا يكتفي بترجمة الكلمات، بل يساعد الطالب على فهم المصطلح الطبي وتحليله وربطه بالمعلومة العلمية.
وتوضح أن التحدي الحقيقي لم يكن في ترجمة المصطلحات فقط، بل في فهمها بصورة شاملة؛ فالطالب يحتاج إلى معرفة المعنى، وطريقة النطق، والأصل اللغوي، والتركيب، وكيفية استخدام المصطلح في السياق الطبي، وهي جوانب لا توفرها غالبية تطبيقات الترجمة التقليدية.
ولهذا صممت هيا تطبيق "مترجم هيا الطبي" ليكون مساعدًا تعليميًا متخصصًا لطلبة الكليات الصحية، حيث يقدم ترجمة طبية دقيقة، وشرحًا علميًا باللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب تبسيط المفاهيم الطبية المعقدة.
ولا يتوقف دور التطبيق عند الترجمة، إذ يوفر خاصية النطق الصوتي للمصطلحات الطبية بعدة أنماط، مع كتابة اللفظ التقريبي باللغة العربية وتقسيم المصطلح إلى مقاطع صوتية، لمساعدة الطلبة على تعلم المصطلحات الجديدة بدلًا من حفظها بصورة مجردة.
كما يضم التطبيق صورًا توضيحية، وكلمات مرتبطة بالمصطلحات، وبطاقات تعليمية للمراجعة، وأدوات تساعد الطلبة على تنظيم عملية التعلم، فضلًا عن اقتراح مصطلحات جديدة بصورة دورية لتعزيز حصيلتهم الطبية.
وإدراكًا منها لاختلاف مستويات الطلبة في اللغة الإنجليزية، حرصت هيا على أن يكون التطبيق مناسبًا للمبتدئين قبل المتقدمين، ليكون رفيقًا للطالب منذ بداياته في دراسة العلوم الطبية.
ورغم أن التطبيق يستهدف بالدرجة الأولى طلبة السنوات الأولى، فإن خدماته تمتد لتشمل مختلف طلبة التخصصات الصحية، إضافة إلى إمكانية استخدامه في الترجمة العامة للنصوص والكلمات بين العربية والإنجليزية.
ولم تكتفِ هيا بإطلاق التطبيق، بل طورت أيضًا بوتات تعليمية عبر واتساب وتيليجرام، لتسهيل وصول الطلبة إلى المعلومات الطبية، لا سيما في ظل ضعف الإنترنت أو صعوبة استخدام بعض التطبيقات أحيانًا.
وتعمل هذه البوتات كمساعد تعليمي تفاعلي، إذ تستقبل النصوص والتسجيلات الصوتية والصور والملفات، ثم تحللها وتقدم ترجمة وشرحًا للمصطلحات الطبية، مع تصحيح الأخطاء الإملائية واقتراح الكلمات الأقرب عند الحاجة.
ورغم حداثة تجربتها الجامعية، تمكنت هيا من تحويل فكرتها إلى نموذج أولي بجهودها الذاتية، قبل التعاون مع مطور برمجيات متخصص لإنتاج نسخة أكثر احترافية، مؤمنة بأن نجاح المشاريع التقنية يحتاج إلى تكامل الفكرة مع الخبرة البرمجية.
وتؤكد أن أكبر التحديات التي واجهتها لم تكن أكاديمية، بل مالية، إذ بحثت عن جهات داعمة للمشروع لكنها لم تحصل على التمويل المطلوب، غير أن ذلك لم يكن سببًا للتراجع، بل زادها إصرارًا على تطوير فكرتها والمضي بها قدمًا.
وشكلت ردود أفعال الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية حافزًا إضافيًا لها، بعدما أكد كثيرون أن التطبيق يعالج مشكلة حقيقية تواجههم في دراسة المصطلحات الطبية، فيما أوضح عدد من الطلبة أن استخدامه ساعدهم على فهم المواد الدراسية وتسهيل عملية المراجعة.
واليوم، تواصل هيا العمل على تطوير نسخة أكثر تقدمًا من التطبيق، تتضمن محتوى أكاديميًا أوسع وميزات تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يوفر تجربة تعليمية أكثر تفاعلًا، ويوسع قاعدة المصطلحات الطبية لخدمة عدد أكبر من الطلبة.
ولا تخفي طموحها بأن يتحول "مترجم هيا الطبي" إلى منصة تعليمية يعتمد عليها طلبة الكليات الصحية في الجامعات العربية، وأن تواصل إطلاق مشاريع تجمع بين الطب والتكنولوجيا لخدمة التعليم والقطاع الصحي.
وفي رسالتها إلى أصحاب الأفكار المبتكرة، تقول هيا إن كل إنجاز كبير بدأ بفكرة، وإن محدودية الإمكانات أو الخوف من الفشل لا ينبغي أن يكونا عائقًا أمام الطموح؛ فالابتكار يبدأ عندما يؤمن الإنسان بفكرته ويسعى لتحويلها إلى واقع.