لم تبدأ أزمة المياه في قطاع غزة مع الحرب الأخيرة، لكنها بلا شك دخلت مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا بعد أشهر طويلة من الدمار الذي طال البنية التحتية، وشبكات الصرف الصحي، وآبار المياه، ومحطات التحلية، لتصبح قضية المياه اليوم واحدة من أخطر التحديات الصحية والبيئية التي تواجه أكثر من مليوني فلسطيني.
وفقًا لمختصين في قطاع المياه، فإن أزمة جودة المياه في غزة كانت قائمة حتى قبل الحرب. فقد كانت نحو 97% من آبار البلديات، التي بلغ عددها قرابة 300 بئر، تنتج مياهًا لا تتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية لمياه الشرب، نتيجة الارتفاع الكبير في نسب الملوحة أو تركيز مركب النترات، وهو ما يعكس أزمة مزمنة سببها الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية، وتداخل مياه البحر، وضعف الإمكانات اللازمة لمعالجة هذه المشكلة.
وبالرغم من ذلك، لم تكن منظومة المياه تعتمد على الآبار وحدها، بل كانت تستند إلى ثلاثة مصادر رئيسة. الأول يتمثل في نحو 70 ألف متر مكعب يوميًا من آبار البلديات، والثاني حوالي 40 ألف متر مكعب من المياه القادمة عبر شركة "ميكروت"، وهي مياه مطابقة للمواصفات الدولية، أما المصدر الثالث فهو ما يقارب 30 ألف متر مكعب من المياه المنتجة في محطات تحلية مياه البحر والمياه الجوفية، والتي كانت كذلك مطابقة للمعايير الصحية.
وبناءً على هذه الحقائق، فإن أي حديث عن جودة المياه في غزة يجب أن يكون دقيقًا ومفصلًا، بعيدًا عن التعميم، لأن واقع المياه قبل الحرب يختلف عن واقعها بعدها، كما أن مصادر المياه ليست جميعها متشابهة من حيث الجودة أو مستوى التلوث.
لكن الأخطر اليوم هو أن الحرب أضافت عوامل جديدة وغير مسبوقة تهدد الخزان الجوفي نفسه. فقد أدى تدمير شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة إلى تسرب كميات كبيرة من المياه العادمة إلى باطن الأرض، كما ساهم انتشار الحفر الامتصاصية الاضطرارية في زيادة التلوث البيولوجي، إضافة إلى تسرب الوقود والزيوت والمواد الكيميائية من المواقع المستهدفة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالقصف المكثف وما خلفه من أنقاض وذخائر ومخلفات حربية يثير مخاوف حقيقية من تسرب معادن ثقيلة ومواد سامة إلى التربة والمياه الجوفية، فضلًا عن المخاطر المحتملة الناتجة عن بقايا مواد البناء، ومنها الأسبستوس، الذي قد يشكل تهديدًا صحيًا طويل الأمد إذا ثبت انتقال مكوناته إلى البيئة المحيطة.
هذه التحديات لا يمكن حسمها بالاجتهادات أو التقديرات، بل تحتاج إلى برنامج وطني ودولي متكامل يعتمد على فحوصات مخبرية دقيقة، وتحاليل كيميائية وبيولوجية متقدمة، ورصد مستمر للخزان الجوفي، بمشاركة مؤسسات وخبراء دوليين يمتلكون الإمكانات اللازمة لتقييم حجم الضرر الحقيقي.
إن الحديث عن مياه غزة اليوم لم يعد مجرد نقاش بشأن الملوحة أو النترات، بل أصبح قضية تتعلق بالأمن الصحي والبيئي والإنساني لملايين السكان. فإعادة إعمار القطاع لا تعني بناء المنازل والطرق فقط، وإنما تبدأ أيضًا بإعادة تأهيل مصادر المياه وضمان سلامتها، لأن أي خلل في هذا الملف ستكون آثاره ممتدة لعقود قادمة.
لقد كشفت الحرب هشاشة الواقع المائي في غزة، وأظهرت أن الكارثة لا تقتصر على الدمار الظاهر، بل تمتد إلى ما هو أخطر، وهو ما قد يختبئ في باطن الأرض. ولذلك فإن حماية المياه الجوفية، وإجراء تقييم علمي مستقل لجودتها، يجب أن يكونا على رأس أولويات أي خطة إنقاذ أو إعادة إعمار.
فغزة اليوم لا تحتاج إلى الماء فقط، بل تحتاج إلى ماء آمن، وإلى حقها الطبيعي في بيئة سليمة وحياة كريمة، بعيدًا عن الحروب التي لا تقتل البشر وحدهم، بل تلوث أيضًا مقومات الحياة للأجيال القادمة.