لم يكن الطبيب إبراهيم حامد فودة يتوقع أن ينتقل من إنقاذ الجرحى داخل مستشفى العودة شمالي قطاع غزة إلى مداواة الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال بأدوات بدائية صنعتها الحاجة. فبعد اعتقاله خلال اقتحام المستشفى أواخر عام 2023، خاض رحلة قاسية بين مراكز التحقيق والسجون الإسرائيلية، لكنه رفض أن يتخلى عن رسالته الإنسانية، ليحمل لاحقًا لقب "طبيب الأسرى"، بعدما تحوّل إلى طبيب وممرض وجراح في آن واحد، متحديًا انعدام الإمكانات وظروف الاعتقال القاسية لإنقاذ حياة رفاقه الأسرى.
في صباح السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023، كان الطبيب إبراهيم حامد فودة يؤدي عمله داخل غرف العمليات في مستشفى العودة شمالي قطاع غزة، حين فرض جيش الاحتلال الإسرائيلي حصارًا على المستشفى استمر 15 يومًا، قبل أن يقتحمه عقب قصف مباشر أسفر عن استشهاد عدد من المرضى وأفراد الطاقم الطبي.
في ذلك الوقت، لم يكن المستشفى يضم سوى جرحى ومرضى يتلقون العلاج، إلا أن قوات الاحتلال اقتحمته بزعم وجود عناصر للمقاومة داخله.
ويستذكر فودة، الذي اعتُقل خلال الاقتحام وأُفرج عنه لاحقًا، لحظات الصدمة عندما أبلغهم مدير المستشفى الدكتور أحمد مهنا بقرار الاقتحام. ويقول إن أفراد الطاقم الطبي أصروا على البقاء إلى جانب المرضى، لكن تهديد قوات الاحتلال بنسف المبنى بمن فيه أجبرهم على الخروج والاحتماء في الساحة المجاورة.
وما إن خرج الطاقم الطبي حتى جُرّدوا من ملابسهم أمام النساء والأطفال وكبار السن، وكُبلت أيديهم وعُصبت أعينهم، قبل نقلهم إلى منازل مجاورة حوّلها الاحتلال إلى مراكز تحقيق.
وقال فودة لصحيفة "فلسطين": "كنا ستة من أفراد الطاقم الطبي، أُفرج عن بعضنا، بينما لا يزال آخرون يقبعون في الأسر".
وخلال فترة اعتقاله، تنقل بين عدة معتقلات ومراكز توقيف، من بينها معتقل "سديه تيمان"، حيث أمضى 41 يومًا راكعًا دون حراك، ثم نُقل إلى ما يعرف بـ"البركس"، وبعدها إلى سجن "النقب"، قبل أن يُفرج عنه في 15 فبراير/شباط 2025.
ويضيف: "بعد التحقيق معنا في محيط مستشفى العودة، نُقلنا في ناقلات جند إلى حاجز إيرز شمال قطاع غزة، وكان الجنود يتناوبون على ضربنا وإهانتنا. وكلما كنا نقول إننا أطباء، كانوا يزدادون عنفًا وسخرية، مرددين: أنت طبيب؟ أنت من النخبة!، ثم ينهالون علينا بالضرب".
لكن سنوات الظلام داخل السجون لم تُطفئ رسالته الإنسانية، بل منحته لقبًا سيحمله بفخر طوال حياته: "طبيب الأسرى".
الجرب... جريمة متعمدة
يؤكد فودة أن انتشار مرض الجرب بين الأسرى الفلسطينيين لم يكن مجرد نتيجة لظروف الاعتقال، بل كان -بحسب وصفه- "جريمة متعمدة" ساهمت فيها إدارة السجون، من خلال الإبقاء على الفرشات والأغطية والملابس ملوثة، وحرمان الأسرى من النظافة والتهوية والعلاج.
ورغم ذلك، قرر أن يبدأ رحلة العلاج من داخل المعتقل، فحوّل إحدى زوايا خيمة السجن إلى عيادة متواضعة، وجال بين الأسرى حاملًا عبوة كلور وقطرات من اليود، محاولًا تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية في ظل تجاهل إدارة السجون لنداءات المرضى.
ويروي أن أول حالة عالجها كانت لأسير مسن يُكنى "أبو محمد"، تجاوز الستين من عمره، وقد غطت الدمامل جسده بالكامل، حتى بات يقضي أيامه بين الألم والبكاء.
ولعدم توفر أي أدوات طبية، مزق قطعة من ملابسه، واستخدم كلور الحمامات مطهرًا، ثم بدأ بيديه العاريتين تنظيف الجروح وتضميدها. وكان الأسير قد راجع عيادة السجن مرارًا، ولم يتلق سوى أقراص "أكامول"، التي لم تكن تجدي نفعًا في مثل هذه الحالة. ويقول فودة إنه واصل متابعة الأسير يومًا بعد يوم حتى تعافى.
وفي حادثة أخرى، حضر إليه أسير يعاني من كيس دهني كبير في ظهره يستدعي استئصالًا عاجلًا، لكن إدارة السجن رفضت نقله إلى المستشفى.
وبعد معاينته، أدرك فودة أن التدخل الجراحي بات ضرورة، رغم غياب أبسط الإمكانات الطبية، فصنع مشرطًا من قطعة بلاستيكية، وعقمه بما توفر لديه، ثم أجرى عملية جراحية بطول خمسة سنتيمترات، من دون تخدير أو غرز، مكتفيًا بالضغط المستمر حتى التأم الجرح، ونجحت العملية رغم الظروف القاسية.
حتى الإنعاش القلبي كان ممنوعًا
ويصف فودة أصعب لحظات اعتقاله بأنها كانت مع الأسير عدي العكة، الذي أصيب بمضاعفات خطيرة نتيجة الجرب، تطورت لاحقًا إلى فشل كلوي بسبب انعدام الرعاية الصحية.
ويقول إنه حاول مرارًا إنقاذه، مطالبًا بنقله إلى المستشفى، لكن سلطات الاحتلال رفضت ذلك.
وفي أحد الأيام، فقد عدي وعيه، فسارع فودة إلى إجراء الإنعاش القلبي له أكثر من مرة، إلا أن الجنود اقتحموا المكان، وسحبوا الأسير بالقوة وألقوه بعيدًا، قبل أن يفارق الحياة.
ويستذكر تلك اللحظة قائلًا: "كان أصعب يوم في حياتي، رأيته يموت أمام عيني، ولم أستطع إنقاذه".
ورغم أن إدارة السجن كانت تسمح له بالتنقل بين بعض الأسرى، فإنها كانت تزوده بكميات محدودة جدًا من اليود والكلور المخفف بالماء، وهي مواد لا تكفي للقيام بأبسط الإجراءات الطبية.
"طبيب الأسرى"... وسام لا يُنسى
تقديرًا لما قدمه من رعاية لرفاقه، صنع عدد من الأسرى كعكة متواضعة من الخبز اليابس والمربى، في ظل غياب السكر والحلوى، وكتبوا عليها: "كل الشكر لطبيب الأسرى إبراهيم فودة".
ويقول عن تلك اللحظة: "كانت فرحة كبيرة خرجت من قلب المعاناة".
ويضيف: "لقب طبيب الأسرى وسام أعتز به، وسأظل فخورًا بأنني كنت سندًا لإخواني في أصعب الظروف".
وعقب الإفراج عنه، عاد فودة ليجد منزله في القرية البدوية شمال قطاع غزة قد دُمّر بالكامل، كما فقد والده الذي استشهد داخل أحد مراكز الإيواء متأثرًا بإصابته ومضاعفات مرض السكري، في ظل انعدام الدواء.
وفي المقابل، رزقه الله طفلًا أطلقت والدته عليه اسم "حامد"، تيمنًا بجده الشهيد.
ورغم نيل حريته، يؤكد فودة أن فرحته تبقى منقوصة، لأن عشرات الأسرى لا يزالون خلف قضبان الاحتلال، يصارعون الأمراض والجوع وغياب الرعاية الطبية، ويحتاجون بصورة عاجلة إلى الدواء والغذاء والملابس ومواد التعقيم لإنقاذ حياتهم.
وبالرغم من كل ما عاشه من اعتقال وتعذيب وفقد، ظل إبراهيم فودة متمسكًا برسالته الإنسانية، ليغدو نموذجًا لطبيب لم تمنعه القضبان من أداء واجبه، فصنع من أبسط الأدوات أملًا، ومن قلب المعاناة حياةً لرفاقه الأسرى.