في الحروب يهرب الناس من الموت، أما في غزة فهناك من يسير إليه بإرادته.
ليس كل الأبطال يحملون البنادق؛ بعضهم يحمل سماعة طبيب، أو يطعم قطعة خبز، أو ينتشل طفلًا من تحت الركام، وبعضهم يحمل قلبًا أثقلته الفواجع، لكن ظريف الطول يصر أن يبقى واقفًا، لأن غزة لا تعرف رفاهية الانهيار.
قتل الاحتلال نجله، لكنه لم يغادر، عاد إلى مرضاه، لأنه كان يعرف أن خلف كل سرير جريحًا ينتظر، وطفلًا يتشبث بالحياة، وطبيبًا لا يعرف إلا أن يمنح الحياة.
هكذا كان طبيب الأطفال الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة. عاش الحرب بكل فصولها؛ الجوع، والعطش، والنزوح، والحصار، وفقد الأحبة، لكنه بقي في ممرات مستشفى يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة. حوله أنين الجرحى، وصراخ الأطفال، وأجهزة توقفت بعدما نفد كل شيء... إلا الواجب.
في ديسمبر 2024، حاصر الاحتلال مستشفى كمال عدوان، وأمر بإخلائه تمهيدًا لاقتحامه، نادى جنوده على الدكتور حسام عبر مكبرات الصوت، فخرج وحده من بين أنقاض المستشفى، يسير بثبات بين الدبابات وركام البيوت فكان المشهد الذي شهده العالم.
طبيب يمشي بين جبال من الركام ويتجه نحو دبابات الاحتلال، لم يكن يحمل سلاحًا، ولا راية، ولا شيئًا سوى معطفه الأبيض، وبدا المشهد وكأن غزة كلها كانت تمشي معه؛ مدينة أنهكها الموت، لكنها لم تتعلم الانحناء.
طلب الاحتلال منه إخلاء المستشفى بمن فيه من مرضى وأطباء تمهيدًا لاقتحامه، وقد حدث ذلك، فيما اعتُقل أبو صفية، ومعه عدد من الأطباء والصحفيين والمرضى.
غاب الطبيب خلف جدران السجون، قبل أن يعود صوته من داخل الأسر. وبحسب ما نقله محاميه، قال:
"يمكن تكون هاي آخر مرة تشوفوني فيها عايش... وممكن أستشهد بأي لحظة".
ونقل المحامي أنه وجده مكبل اليدين والقدمين، وآثار الضرب والتعذيب تغطي وجهه ورقبته وجسده، حتى أصبح من الصعب التعرف إلى ملامحه. وكان يعاني صعوبة في التنفس والكلام، ولم يكن قادرًا على الجلوس أو الوقوف، بعد احتجازه في مركز تحقيق تحت الأرض، حيث تعرض للتعذيب وحُرم من العلاج.
لم تكن كلمات الدكتور حسام أبو صفية خوفًا من الموت، بل سلامًا أخيرًا من رجل عرف أن رسالته أكبر من عمره. كان يستطيع أن يرحل، لكنه اختار أن يبقى بين الجرحى والمرضى، في حين كانت القذائف تقترب، والجدران تتهاوى، والعالم يراقب بصمت.
فما جريمته؟
أنه بقي طبيبًا.. رفض أن يترك مستشفاه، ورفض أن يتخلى عن الجرحى والمرضى، وآمن بأن الرسالة لا تنتهي عندما يقترب الخطر، بل تبدأ.
في غزة، لا يصنع البطولة المقاتلون وحدهم، بل كل من يتمسك بإنسانيته في وجه الموت. لذلك سيبقى حسام أبو صفية شاهدًا على أن المعطف الأبيض قد يتحول، في زمن الإبادة، إلى راية مقاومة، وأن الطبيب الذي رفض مغادرة مرضاه لا يقل بطولة عن المقاتل الذي رفض مغادرة ميدانه.

