فلسطين أون لاين

بعد 1000 يوم من الحرب..

غزة تواجه انهيارًا بيئيًا يهدد الحياة بالمياه الملوثة والركام السام

...
تراكم ملايين الأطنان من الركام والنفايات في قطاع غزة (أرشيف)
غزة/ رامي رمانة:

بعد أكثر من ألف يوم على الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، لم تعد آثار الدمار تقتصر على الخسائر البشرية والعمرانية، بل امتدت إلى تدمير مقومات الحياة الأساسية، مع انهيار شبه كامل للبنية البيئية والصحية. فقد أدى تدمير معظم مرافق المياه والصرف الصحي، وتراكم ملايين الأطنان من الركام والنفايات، وتسرب الملوثات إلى التربة والخزان الجوفي، إلى خلق واقع وصفه مختصون بـ"الإبادة البيئية"، محذرين من تداعيات قد تستمر لعقود حتى بعد توقف الحرب.

وتكشف المؤشرات الميدانية عن تدمير أكثر من 80% من مرافق المياه، وتعطل ست محطات رئيسية لمعالجة مياه الصرف الصحي، ما أدى إلى تدفق نحو 60 ألف متر مكعب يوميًا من المياه العادمة غير المعالجة إلى البحر والشوارع والمناطق السكنية. كما تراجعت حصة الفرد من المياه إلى أقل من 14 لترًا يوميًا، في وقت تجاوزت فيه كميات النفايات المتراكمة مليون طن، في مشهد ينذر بانهيار بيئي غير مسبوق.

ويؤكد مدير عام الصحة العامة، الدكتور نضال غنيم، أن حجم الدمار البيئي لم يعد مجرد أثر جانبي للحرب، بل تحول إلى انهيار شامل يطال الماء والهواء والتربة، وينذر بتداعيات صحية وبيئية طويلة الأمد.

وبحسب دراسة أعدها غنيم واطلعت عليها صحيفة "فلسطين"، فإن تدمير ست محطات رئيسية لمعالجة المياه العادمة تسبب في انهيار شبه كامل لمنظومة الصرف الصحي، ما أجبر السكان، خصوصًا في مناطق النزوح، على حفر أكثر من 320 ألف حفرة امتصاصية عشوائية للتخلص من المياه الملوثة.

وأدى ذلك إلى تدفق كميات ضخمة من المياه العادمة غير المعالجة يوميًا إلى البحر والوديان والشوارع، مع تسربها مباشرة إلى التربة والخزان الجوفي، في ظل غياب أي قدرة تشغيلية لمعالجة هذه المياه أو ضخها. كما أسهمت فيضانات مياه الصرف الصحي داخل مخيمات النزوح في زيادة احتمالات تفشي الأمراض المعدية والأوبئة.

وفي قطاع المياه، يشير غنيم إلى أن أكثر من 80% من البنية التحتية تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة، بما في ذلك 203 آبار من أصل 319 بئرًا. ونتيجة لذلك، انخفضت كميات المياه المتاحة بصورة حادة، لتتراجع حصة الفرد اليومية إلى أقل من 14 لترًا، وهو مستوى يقل كثيرًا عن الحد الأدنى الموصى به لضمان الاحتياجات الصحية الأساسية.

ويحذر من أن الخطر الأكبر يتمثل في التلوث المتسارع للخزان الجوفي الساحلي، نتيجة اختلاط مياه الصرف الصحي بالعصارة السامة للنفايات ومخلفات الحرب، ما يهدد بتحويل المصدر الرئيس للمياه في القطاع إلى مصدر غير صالح للاستخدام البشري مستقبلاً.

ولم يقتصر الدمار على البنية التحتية، إذ خلفت الحرب دمارًا طال نحو 80% من المباني والمنشآت، مولدة أكثر من 57 مليون طن من الركام، يحتوي جزء كبير منها على نحو خمسة ملايين طن من مادة "الأسبستوس" المصنفة عالميًا كمادة مسرطنة ومحظورة الاستخدام.

كما تشير البيانات إلى إلقاء أكثر من 100 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة، ما أدى إلى بقاء نحو سبعة آلاف طن من الذخائر غير المنفجرة، فضلًا عن تراكم المعادن الثقيلة في البيئة.

ويؤكد غنيم أن هذه الملوثات بدأت بالفعل بالتسرب إلى التربة وسلسلة الغذاء، ما ينذر بارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والسرطان والتسمم المزمن، إلى جانب آثار صحية قد تظهر على المدى البعيد.

وفي ظل تعطل عمل البلديات والمجالس المحلية، تحولت النفايات الصلبة إلى أزمة بيئية خانقة، مع تراكم أكثر من مليون طن من النفايات داخل 23 مكبًا عشوائيًا تقع في مناطق مكتظة بالنازحين.

ويحذر غنيم من أن اختلاط النفايات الطبية بالمخلفات المنزلية، بما فيها المواد الملوثة والحقن الطبية، أوجد بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات، وأسهم في ارتفاع معدلات الأمراض الجلدية والمعدية، خاصة داخل مخيمات النزوح.

كما تتسرب العصارة السامة الناتجة عن تحلل النفايات إلى التربة والمياه الجوفية، ما يفاقم مستويات التلوث ويضاعف المخاطر الصحية والبيئية بصورة مستمرة.

وانعكس هذا التدهور البيئي بصورة مباشرة على الأمن الغذائي، بعد تضرر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتراجع القدرة الإنتاجية المحلية، الأمر الذي زاد اعتماد السكان على مصادر غذائية محدودة وغير مستقرة.

ويحذر غنيم من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى تفشي سوء التغذية، لا سيما بين الأطفال، بالتزامن مع تزايد الأمراض المرتبطة بتلوث المياه وتردي خدمات الصرف الصحي، ما يضع القطاع أمام خطر انهيار صحي شامل.

ويرى أن ما تشهده غزة يجسد بوضوح مفهوم "الإبادة البيئية"، من خلال التدمير المنهجي والمتراكم للنظم البيئية، بما يجعل إعادة تأهيلها مهمة معقدة قد تستغرق عقودًا.

ويؤكد أن استمرار تلوث المياه والتربة والهواء، إلى جانب تراكم الركام السام والنفايات، سيخلّف آثارًا صحية وبيئية ممتدة حتى في حال توقف الحرب، ما لم تُنفذ تدخلات عاجلة وشاملة لمعالجة الكارثة.

ويختتم غنيم تحذيره بالتأكيد على أن ما يجري في قطاع غزة لم يعد مجرد أزمة بيئية محلية، بل كارثة إنسانية وبيئية متكاملة تهدد قابلية الحياة في القطاع بأسره، وتتطلب تحركًا دوليًا عاجلًا للحد من تداعياتها وإعادة تأهيل مقومات الحياة الأساسية.

المصدر / فلسطين أون لاين