لم تنتظر الطفلتان تالا وسوار انتهاء الإجازة الصيفية ببرامج الترفيه أو الرحلات أو الألعاب كما اعتادتا في الأعوام السابقة، فالحرب التي أحرقت المدارس والمنازل وبددت ملامح الحياة الطبيعية في قطاع غزة، لم تترك للأطفال كثيرًا من الخيارات. وما إن انتهت الاختبارات النهائية حتى سارعت والدتهما إلى تسجيلهما في مركز لتحفيظ القرآن الكريم، بحثًا عن مساحة آمنة تعيد إليهما بعضًا من الطمأنينة التي سلبتها الحرب.
لكن المفاجأة التي واجهت الأم لم تكن في وجود المركز، بل في الاكتظاظ الكبير الذي شهده، إذ امتلأت حلقات التحفيظ بجميع الفئات العمرية، وازدحمت القاعات والمصليات المؤقتة بالأطفال والنساء وكبار السن على مدار اليوم.
غيرة طفلة
وسط تنافس شقيقتيها على الحفظ، كانت الطفلة تالية، ذات الخمسة أعوام، تجلس يوميًا إلى جوارهما تستمع إلى الآيات التي ترددانها. لم تكن مسجلة في المركز، لكنها أخذت تحفظ السور بصمت، وتردد ما تسمعه من أختيها.
وفي نهاية أحد الأيام، فاجأت والدتها بطلب بسيط قائلة: "ماما سمعيلي سورة التين والزيتون زي سوار".
إصرار الطفلة دفع والدتها إلى طلب إلحاقها بشقيقتيها، ورغم الضغط الكبير داخل المركز، وافقت إحدى المحفظات على استقبالها، لتبدأ الأخوات الثلاث رحلة جديدة من التنافس على الحفظ والمراجعة.
تقول والدتهن مريم عبد العال إن طفلتيها كانتا قد التحقتا بمركز لتحفيظ القرآن قبل اندلاع الحرب بشهرين فقط، إلا أن الحرب وما تبعها من نزوح متكرر أدى إلى انقطاعهما عن الحفظ.
وتضيف لـ"فلسطين": "حفظتا بعض السور خلال النزوح في خانيونس قبل نحو عامين، لكن تكرار النزوح والظروف الصعبة جعلاهما تنقطعان تمامًا، وبعد استقرارنا في حي الدرج شرق غزة بدأت الطفلتان تطلبان مني البحث عن مركز قريب".
ومنذ اليوم الأول، بدت السعادة واضحة على وجوه الطفلات، وأصبحن يتسابقن يوميًا على التسميع أمام المحفظة، كما انتقل الحماس إلى والدتهن التي قررت الالتحاق بدروس أحكام التجويد.
عدوى الحماس
تقول رانية إنها فوجئت بالإقبال الكبير على المركز، سواء من الراغبين في حفظ القرآن أو تعلم أحكام التجويد.
وتوضح: "وجدت الأطفال والشابات وكبار السن يجلسون في القاعة نفسها، والجميع يتنافسون على تعلم القراءة الصحيحة للقرآن".
وتتابع أن أكثر ما أثار دهشتها هو حرص الأطفال على إتقان أحكام التلاوة، مشيرة إلى أنها شعرت بالأسى لأنها تأخرت في تعلم التجويد حتى بلغت الأربعين من عمرها.
وتقول: "أدركت أهمية أن يتعلم الأبناء القرآن وأحكام التجويد منذ الصغر، فالأطفال يتعلمون بسرعة ويمتلكون قدرة كبيرة على الحفظ والإتقان".
رحلة عائلية
أما هالة كحيل (37 عامًا)، فتحولت حلقات القرآن بالنسبة لها إلى برنامج يومي يجمع أفراد أسرتها. فهي تحرص على حضور دروس التجويد برفقة ابنتها الجامعية البالغة من العمر 21 عامًا، بينما يتلقى ابنها محمود، البالغ ثمانية أعوام، دروس التحفيظ بشكل يومي.
وخلال ثلاثة أشهر فقط، تمكن محمود من حفظ جزأين من القرآن الكريم، وأصبح يحرص على التسميع أمام المحفظة بشكل مستمر.
وتقول هالة لـ"فلسطين": "لا يقتصر الأمر على ذلك، فبعد دورة التجويد تتوجه ابنتاي إلى مركز التحفيظ، وبعد صلاة العصر يذهب أبنائي الثلاثة إلى المصلى المقام من الشوادر قرب أنقاض المسجد".
وتوضح أن الحرب دفعت كثيرًا من الأسر إلى البحث عن بدائل تعليمية وتربوية لأطفالها بعد توقف الدراسة وغياب الأنشطة، فوجدوا في حلقات القرآن ملاذًا يحفظ أوقات أبنائهم.
أنقاض تتحول إلى مصليات
في العديد من أحياء غزة، تحولت زوايا المساجد المدمرة والمصليات المؤقتة المشيدة من الشوادر والأخشاب إلى مراكز لتحفيظ القرآن.
وتحت أصوات الطائرات والقصف المتقطع، يجلس الأطفال حاملين مصاحفهم وألواحهم الصغيرة، يرددون الآيات ويستمعون إلى معلماتهم، في مشهد يعكس إصرار الأهالي على الحفاظ على الجانب الديني والتربوي لأبنائهم.
وبعد نحو عامين من الانقطاع الدراسي وتدمير مئات المدارس والمرافق التعليمية، باتت هذه الحلقات تشكل مساحة تعليمية وروحية للأطفال الذين حرموا من مقاعد الدراسة.
ملاذ نفسي
تقول أم محمد الدحدوح (45 عامًا) إنها لم تتوقع أن يصبح مركز التحفيظ جزءًا أساسيًا من حياتها اليومية.
فالتحقت بدروس التجويد برفقة ابنتها المراهقة، بينما يشارك أبناؤها الأصغر في حلقات التحفيظ.
وتقول لـ"فلسطين": "لاحظت تغيرًا كبيرًا على أطفالي، فقد أصبحوا أكثر هدوءًا والتزامًا، وأصبحت الحلقات تمنحهم شعورًا بالاستقرار الذي افتقدوه منذ بداية الحرب".
وتضيف أن أبناءها يستيقظون مبكرًا استعدادًا للحلقات، ويتنافسون في مراجعة السور وحفظ الآيات، حتى أصبحت أجواء المنزل مرتبطة بما تعلموه خلال اليوم.
إقبال متزايد
رغم النزوح المتكرر والظروف الاقتصادية الصعبة ونقص الإمكانات، تشهد مراكز التحفيظ وحلقات القرآن في قطاع غزة إقبالًا واسعًا خلال الإجازة الصيفية.
فالأهالي الذين فقدوا المدارس والحدائق والمساحات الترفيهية، وجدوا في هذه الحلقات وسيلة لحماية أبنائهم من الفراغ، وإعادة شيء من الاستقرار النفسي والتربوي إلى حياتهم.
وفي الوقت الذي حرمت فيه الحرب آلاف الأطفال من التعليم واللعب والاستقرار، يبدو أن حلقات القرآن تحولت إلى مساحة صغيرة للطمأنينة، يجلس فيها الأطفال والنساء وكبار السن جنبًا إلى جنب، يتعلمون الحفظ والتلاوة، ويتمسكون بما تبقى لهم من حياة وسط الركام

