فلسطين أون لاين

طلبة فلسطين... ضحايا آخرون للحرب

بينما ينشغل العالم بإحصاء أعداد الشهداء والجرحى والدمار الذي خلّفته الحرب في قطاع غزة، هناك مأساة أخرى لا تحظى بالاهتمام الكافي، وهي مأساة آلاف الطلبة الفلسطينيين الذين أصبح مستقبلهم العلمي رهينة للحرب والحصار والإجراءات الإدارية. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات الجامعات، بل شباب وشابات بذلوا سنوات طويلة من أعمارهم في طلب العلم، ليجدوا أنفسهم فجأة عاجزين عن إكمال مسيرتهم الأكاديمية بسبب ظروف قاهرة لا يد لهم فيها.

لقد التحق كثير من طلبة قطاع غزة بجامعات عربية ودولية، وخاصة في برامج الماجستير والدكتوراه، بعد سنوات من الاجتهاد والعمل والبحث العلمي. بعضهم أنهى جميع المقررات الدراسية، وأتم رسالته العلمية، ولم يبقَ أمامه سوى مناقشة الرسالة أو استكمال بعض الإجراءات الأكاديمية التي تشترط الحضور الشخصي. لكن اندلاع الحرب، وإغلاق المعابر، واستحالة السفر، جعل تنفيذ هذه المتطلبات أمرًا مستحيلًا.

إن العدالة لا تعني تطبيق الأنظمة بصورة جامدة، وإنما تعني أيضًا مراعاة الظروف الاستثنائية التي يمر بها الإنسان. فما يعيشه طلبة غزة ليس ظرفًا عاديًا أو تأخيرًا بسبب الإهمال أو التقصير، وإنما هو حرب مستمرة فرضت واقعًا قاسيًا على الجميع، وجعلت حتى أبسط الحقوق، كحق التنقل والسفر، أمرًا شبه مستحيل.

لقد أثبتت الجامعات في مختلف أنحاء العالم خلال جائحة كورونا قدرتها على التكيف مع الظروف الطارئة، فاعتمدت التعليم عن بُعد، وأجرت الامتحانات والمناقشات عبر الوسائل الإلكترونية، وابتكرت حلولًا للحفاظ على استمرار العملية التعليمية. فلماذا لا يتم تطبيق المرونة نفسها مع طلبة قطاع غزة الذين يعيشون ظروفًا أشد قسوة من تلك التي عاشها العالم أثناء الجائحة؟

إن المطلوب اليوم ليس تجاوز القوانين أو إلغاء الأنظمة، وإنما إيجاد استثناءات قانونية وإنسانية مؤقتة تراعي واقع الطلبة الفلسطينيين، مثل السماح بالمناقشات عبر الإنترنت، أو تفويض لجان أكاديمية معتمدة، أو تمديد المدد القانونية، أو اعتماد أي آلية تحفظ حق الطالب في إكمال دراسته دون أن تهدر سنوات عمره بسبب ظروف خارجة عن إرادته.

ومن المؤلم أن يشعر الطالب الفلسطيني بأن الحرب لم تكتفِ بحرمانه من الأمن والاستقرار، بل امتدت لتسلبه حقه في التعليم أيضًا. فهناك من فقد منزله، وهناك من فقد أفرادًا من أسرته، وهناك من يواصل إعداد رسالته العلمية داخل خيمة نزوح أو في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، ورغم ذلك لا يزال متمسكًا بالأمل، مؤمنًا بأن العلم رسالة تستحق الصبر والتضحية.

إن المؤسسات التعليمية في الدول العربية، على وجه الخصوص، مطالبة اليوم بموقف ينسجم مع رسالتها العلمية والإنسانية. فالجامعات لم تُبنَ لتكون مؤسسات تمنح الشهادات فحسب، بل لتكون حاضنة للعلم، ومدافعة عن حق الإنسان في التعلم مهما كانت الظروف. وإن مراعاة طلبة غزة في هذه المرحلة ليست منحة ولا تفضّلًا، بل هي استجابة لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص الذي تنادي به جميع الأنظمة الأكاديمية.

كما أن وزارات التربية والتعليم العالي مدعوة إلى التعاون مع الجامعات، والسفارات الفلسطينية، والجهات الرسمية، لوضع آلية استثنائية تعالج أوضاع هؤلاء الطلبة، حتى لا يتحول التأخير إلى ضياع كامل لمستقبلهم العلمي. فكل يوم يمر دون حلول عملية يزيد من معاناة الطلاب، ويهدد سنوات من الجهد والبحث والاجتهاد.

إن خسارة طالب علم ليست خسارة لفرد واحد، بل خسارة لمجتمع بأكمله. فهؤلاء الطلبة هم الباحثون والأكاديميون والمعلمون وقادة المستقبل الذين سيشاركون في بناء فلسطين بعد انتهاء الحرب. وحماية حقهم في مواصلة تعليمهم هي استثمار في المستقبل، ورسالة تؤكد أن العلم أقوى من الحروب، وأن الإنسانية لا تزال قادرة على الانتصار.

إن التاريخ سيسجل مواقف الجميع، وسيذكر من فتح أبواب العلم أمام الطلبة في أحلك الظروف، كما سيذكر من أغلقت في وجوههم الأبواب وهم عاجزون عن الوصول إليها. وإن منح طلبة قطاع غزة حلولًا استثنائية لا ينتقص من هيبة الأنظمة الأكاديمية، بل يعكس عدالة تلك الأنظمة، واحترامها للإنسان، وإيمانها بأن رسالة الجامعات أسمى من أن تقف عند حدود الإجراءات عندما تكون حياة الإنسان ومستقبلهم على المحك. فحماية حق هؤلاء الطلبة في إكمال تعليمهم اليوم هي موقف أخلاقي قبل أن تكون قرارًا إداريًا، وهي رسالة وفاء للعلم الذي يجب أن يبقى جسرًا للأمل، لا ضحيةً أخرى من ضحايا الحرب.

المصدر / فلسطين أون لاين