فلسطين أون لاين

ألف يوم منذ السابع من أكتوبر.. كيف تغيرت القدس والضفة؟

لم يكن السابع من أكتوبر حدثًا اقتصر أثره على قطاع غزة، رغم هول المذبحة، بل شكّل أيضًا بداية مرحلة جديدة أعادت رسم المشهد الفلسطيني كله، ولا سيما في القدس والضفة المحتلتين.

ألف يوم استغل الاحتلال خلالها العدوان على غزة لتسريع سياسات كانت قائمة بالفعل، لكنها وجدت غطاءً سياسيًا وأمنيًا للإعلان عنها وتوسيعها. وهكذا، لم تعد الضفة مجرد ساحة تتأثر، بل ميدانًا لإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني والجغرافي على نحو يخدم رؤية تقوم على فرض وقائع لا عودة عنها.

أمنيًا، انتقل الاحتلال من سياسة الاحتواء إلى الحسم الميداني. زاد عدد الاقتحامات بشكل غير مسبوق، وتحولت مدن ومخيمات بأكملها إلى ساحات حرب وعمليات شبه يومية، استُخدمت فيها الدبابات والجرافات والمسيّرات ووسائل قتل أخرى كانت مخصصة لقتل الغزيين حصرًا. ولم يعد الهدف تنفيذ اعتقالات فقط، بل القتل والإرهاب وخلق بيئة أمنية جديدة تقوم على الاستنزاف الدائم وتدمير البنى التحتية والمخيمات. كما شهدت الضفة اتساعًا في سياسة الاغتيال وخنقها بالحواجز، حتى بات التنقل بين جنباتها مهمة شاقة تستنزف الفلسطينيين.

بموازاة ذلك، شهد الاستيطان طفرة، واستغلت حكومة اليمين انشغال المجتمع الدولي بالإبادة الجماعية والتجويع في غزة، لتمضي قدمًا في توسيع المستوطنات وإقامة أخرى جديدة وشرعنتها، وسرقة مساحات شاسعة من الأراضي، وخاصة في الأغوار. وتصاعدت اعتداءات المستوطنين، بحماية جيش الاحتلال، قتلًا وحرقًا وتدميرًا، لم يسلم منه الشجر ولا الحجر، لتتحول من حوادث متفرقة إلى سياسة يومية تهدف إلى دفع الفلسطينيين للرحيل قسرًا، وبات الاستيطان أداة لإعادة رسم الخريطة الديمغرافية أكثر من كونه مجرد مشروع توسع عمراني.

أما القدس، فقد شهدت تصعيدًا متواصلًا في سياسات التهويد، فشُددت القيود على وصول الفلسطينيين إلى الأقصى والقيامة، وخاصة في رمضان والمناسبات الدينية. وبالمقابل، تكثفت اقتحامات المستوطنين للحرم القدسي على نحو غير مسبوق، وبمشاركة وزراء في حكومة الاحتلال. واستمرت مشاريع الاستيطان، وأُعلن عن أخرى لربط المدينة بمحيطها الاستيطاني. وحدث ذلك بالتوازي مع هدم المنازل، وسحب الهويات، والتضييق على المقدسيين، لتعميق السيطرة على القدس والحد من الوجود الفلسطيني فيها.

اقتصاديًا، دفعت الضفة الغربية ثمنًا للحرب، وإن كان لا يقارن بالثمن الذي دفعته غزة. فقد عشرات الآلاف فرص عملهم في الداخل، ما أفقد الاقتصاد الفلسطيني أحد أهم مصادر دخله. وتزامن ذلك مع احتجاز أموال المقاصة، وتراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع نسب البطالة والفقر، ووجدت السلطة نفسها في أتون أزمة مالية وجودية، على حد وصف وزير ماليتها، انعكست على قدرتها على دفع الرواتب وتقديم الخدمات.

سياسيًا، عمّق العدوان أزمة النظام السياسي الفلسطيني، وزاد اغترابه، كاشفًا عن درجة خطيرة من الهشاشة. فبدت السلطة أكثر انشغالًا بالتكيف مع واقع ما بعد السابع من أكتوبر أكثر من استثماره أو محاولة تغييره، فلم يعد يُسمع منها موقف حاسم بالرفض. وعبرت عن ذلك بخطوات كثيرة بغية جعلها أكثر قبولًا، سواء عبر المراسيم الرئاسية، أو التعديلات التي طالت قوانين الانتخابات والأحزاب، وتضييق هامش المشاركة السياسية، فضلًا عن المساس بما عدّته مرارًا وتكرارًا مقدسًا وخطًا أحمر، وهو مخصصات أسر الشهداء والأسرى والجرحى. وكذلك الإعلان عن إجراءات بدت في ظاهرها إصلاحية، لكنها في جوهرها جزء من محاولة للتأقلم مع واقع يتنصل فيه الاحتلال من أي تفاهمات، ويتراجع فيه أي أفق للدولة والسيادة.

بالمقابل، مضى الاحتلال في تعميق سيطرته المباشرة على الأرض، فأقام نقاطًا عسكرية داخل مناطق "A"، كما في جنين، وباتت عمليات الاقتحام والاعتقال والقتل روتينًا يوميًا، ما مسّ جوهر أوسلو الذي تتمسك به السلطة، رغم تنصل الاحتلال منه كليًا وعلنًا، وسمح بعودة المستوطنين إلى مستوطنات أُخليت قبل عقدين، الأمر الذي حمل رسالة واضحة، وهي أن أي اتفاق سابق لم يعد قائمًا.

داخليًا، واجهت السلطة أزمة شرعية حادة، فنظمت انتخابات محلية بشروط تقيّد حرية الترشح أو المشاركة، وأعلنت عن نيتها تنظيم المزيد من الانتخابات، وعقدت حركة فتح مؤتمرها الثامن، الذي تسبب بشرخ كبير في قاعدتها الشعبية، وأعاد تشكيل قيادتها على نحو يقصي توجهات معينة على حساب أخرى. وبموازاة ذلك، صعّدت السلطة، بقيادة فتح، من إجراءاتها الأمنية وخطابها السياسي في محاولة لتسويق ذاتها كشريك يُعتمد عليه، فكانت ما سُمي حملة "حماية وطن"، التي مهدت الطريق لسيطرة الاحتلال على مخيمات شمال الضفة، وتفريغها من ساكنيها، وهدم أجزاء واسعة منها. وبدت السلطة أكثر استعدادًا لتقديم المزيد من التنازلات السياسية أملًا بالحصول على موطئ قدم في غزة الجديدة، حتى وإن جاء ذلك ضمن ترتيبات دولية وإقليمية تقلّص من حضورها الوطني، مستندة في ذلك إلى الدعم الدولي أكثر من الشرعية الداخلية.

الأونروا أيضًا كان لها نصيب، فتعرضت لضغط وشيطنة انتهت بإغلاق مكاتبها في القدس، وإعلان الحرب عليها، وتجفيف منابعها. وبالتوازي مع ذلك، لم تسلم المؤسسات الدولية الإغاثية أو الفلسطينية الأهلية، في محاولة لتقويض ما تبقى من ركائز الحضور والصمود الفلسطيني.

اجتماعيًا، تركت الحرب آثارًا عميقة على المجتمع الفلسطيني، فقد أصبح الخوف وعدم اليقين جزءًا من الحياة اليومية، فتراجعت الأنشطة الاقتصادية والتعليمية بفعل الإغلاقات والاقتحامات المستمرة. كما شهدت بعض التجمعات عمليات تهجير قسري تحت ضغط اعتداءات المستوطنين، بينما تصاعدت أعباء العائلات مع ارتفاع الفقر والبطالة، وزيادة أعداد المعتقلين والشهداء والجرحى، وأزمة رواتب الموظفين في القطاع العام، وقطع مخصصات أسر الشهداء والأسرى والجرحى.

لكن التحول الأهم خلال الألف يوم تمثل في تغيّر نظرة الاحتلال إلى الضفة الغربية نفسها، فبعد الحملات الأمنية، وبعدما كانت سياسته تقوم على منع الانفجار الشامل خشية تداعياته، لم يعد يأبه بذلك، ولا ببيانات الشجب والاستنكار المحلية والدولية، بل بات يدفع بصورة متزايدة نحو إعادة هندسة الواقع الفلسطيني عبر تكريس السيطرة العسكرية، وتسريع الضم والاستيطان، وإضعاف المؤسسات الوطنية والمجتمعية، وتقويض المناعة المجتمعية، بما يجعل السعي إلى إقامة الدولة أشبه بالسعي خلف سرابٍ بقيعة.

المصدر / فلسطين أون لاين