مع إعلان نتائج شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) في قطاع غزة لهذا العام، برزت حزمة من التوصيات والنداءات الملحّة الصادرة عن خبراء ومختصين اقتصاديين، تتناول كيفية التعامل مع الفوج المستجد من الطلبة وإسنادهم في رحلتهم الجامعية.
وتؤكد التوصيات الأهمية القصوى لتأسيس صندوق وطني ودولي عاجل لدعم الطلبة غير القادرين على تحمّل التكاليف الدراسية، بما يضمن استمرارية تحصيلهم العلمي وحمايتهم من التسرب الأكاديمي نتيجة الظروف الاقتصادية المعقدة، ولا سيما مع مرور ثلاثة أعوام على الحرب وما خلّفته من تداعيات عميقة ومباشرة على البنية التحتية والواقع المعيشي للقطاع.
وترى الرؤى الاقتصادية المطروحة أن توفير الدعم المالي للطلبة يجب أن يسير بالتوازي مع برنامج إسناد موازٍ للجامعات والمؤسسات الأكاديمية في غزة؛ لتمكينها من ترميم بنيتها التحتية المتهالكة، وتغطية نفقاتها التشغيلية، وتعزيز قدرتها على مواصلة أداء رسالتها التعليمية والتنموية في وجود الأزمات المالية الخانقة التي تحيط بها من كل جانب.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التعليم التقني والمهني خيارا إستراتيجيا يوفر فرص عمل سريعة ومستدامة، إلى جانب نشر ثقافة ريادة الأعمال والعمل الحر، بما يمكن الطلبة من خلق فرص عمل خاصة بهم مع محدودية الوظائف التقليدية.
نموذج استثنائي
المختص الاقتصادي محمد العف قال إن عدد طلبة الثانوية العامة (التوجيهي) في قطاع غزة لعام 2026 بلغ نحو 37,900 طالب، وهو رقم يقترب بشكل لافت من أعداد الطلبة قبل الحرب، رغم الدمار الواسع والظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها القطاع.
وأوضح العف لصحيفة "فلسطين" أن الرقم يعكس مستوى عالياً من الصمود والعزيمة لدى الطلبة وأسرهم، في ظل ظروف استثنائية تشمل غياب المدارس النظامية، وانقطاع الكهرباء، وضعف خدمات الإنترنت، إضافة إلى فقدان آلاف الطلبة لمنازلهم واضطرارهم للعيش في خيام، وسط شح المياه وارتفاع درجات الحرارة.
وأشار إلى أن الطالب الذي تمكن من اجتياز هذه التحديات والوصول إلى النجاح، يمثل نموذجاً استثنائياً يستدعي استثمار هذا الإنجاز من خلال توفير الدعم اللازم لاستكمال تعليمه الجامعي، خاصة في ظل ما يمتلكه من طاقة وإرادة.
وبيّن العف أن الجامعات في قطاع غزة تواجه تحدياً مالياً كبيراً، يضعها أمام معادلة صعبة بين دعم الطلبة غير القادرين على دفع الرسوم، وبين الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية وتوفير الحد الأدنى من متطلبات عمل الكوادر الأكاديمية.
وأضاف أن هناك ضرورة للعمل على حشد الدعم الخارجي وتوفير منح دراسية محلية، بما يضمن استمرار الطلبة في التعليم، ويساعد الجامعات على الوفاء بالتزاماتها، مستحضراً تجربة الانتفاضة الثانية، حيث تم إنشاء صناديق دعم في عدة دول، ساهمت في تغطية الرسوم الجامعية لعدد كبير من الطلبة في غزة، ما ساعدهم على مواصلة تعليمهم في ظروف مشابهة.
ودعا إلى إعادة تفعيل هذه الصناديق عبر لجان متخصصة تعمل على استقطاب المتبرعين، ووضع قضية طلبة جامعات غزة على رأس أولويات المؤسسات الدولية والمحلية، في ظل الحاجة المتزايدة للدعم بعد الحرب.
وأكد العف أن الظروف الراهنة تفرض على الطلبة تحدياً إضافياً يتمثل في اختيار التخصص الجامعي المناسب، مشدداً على ضرورة التركيز على التخصصات التي تتلاءم مع طبيعة المرحلة واحتياجات المجتمع.
التخصصات الطبية
وفي هذا السياق، نصح بالتوجه نحو التخصصات الطبية مثل التمريض والقبالة وغيرها، والتي تتيح فرص العمل مع المؤسسات الطبية الدولية العاملة في قطاع غزة، إلى جانب التخصصات المرتبطة بمجال التعليم الأساسي والتدريب، في ظل النقص الحاد في الكوادر التعليمية وارتفاع الطلب عليها.
كما أشار إلى أهمية التخصصات الحديثة مثل التسويق الرقمي، والتي تفتح آفاق العمل عن بُعد عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات العمل الحر، بما يمنح الطلبة فرصة لتجاوز القيود الجغرافية والاقتصادية.
وشدد العف على أن اختيار التخصص يجب أن يستند إلى مزيج متوازن من قدرات الطالب العقلية، ووضعه المادي، وميوله الشخصية، مع الأخذ بعين الاعتبار مرونة التخصص وإمكانية العمل المستقل.
احتياجات سوق العمل
في حين دعا المختص الاقتصادي محمود القشاش إلى إعادة توجيه بوصلة التعليم نحو احتياجات سوق العمل، في ظل التحديات الاقتصادية المتفاقمة وارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين.
وأكد القشاش لصحيفة "فلسطين" أن اختيار التخصص الجامعي يجب ألا يعتمد فقط على معدل الطالب أو ميوله الشخصية، بل ينبغي أن يستند إلى قراءة واقعية لمتطلبات السوق، مشددًا على أن توجيه الطلبة نحو التخصصات المطلوبة يسهم بشكل مباشر في تقليل نسب البطالة.
وأشار إلى أهمية إعطاء الأولوية للتخصصات المرتبطة بمرحلة إعادة الإعمار، والقطاع الصحي، والتكنولوجيا، والهندسة، والتعليم، والاقتصاد، نظرًا لدورها الحيوي في دعم عملية التعافي الاقتصادي في غزة.
التعليم التقني والمهني
وفي سياق متصل، شدد القشاش على ضرورة تعزيز التعليم التقني والمهني، معتبرًا إياه مسارًا استراتيجيًا يوفر فرص عمل سريعة ومستدامة، ويساهم في رفد السوق المحلي بالكفاءات المطلوبة.
ودعا إلى إنشاء صندوق وطني لدعم الطلبة غير القادرين، بمشاركة الحكومة والجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات المانحة، لضمان عدم حرمان أي طالب من استكمال تعليمه بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
كما طالب الجامعات بمراعاة الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع، من خلال تخفيض الرسوم الدراسية، وتوسيع نطاق المنح، واعتماد أنظمة تقسيط ميسرة، إلى جانب دعم الطلبة المتعثرين ماليًا.
وأكد القشاش أهمية ربط الخطط الأكاديمية باحتياجات الاقتصاد الفلسطيني، بما يحد من الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، داعيًا في الوقت ذاته إلى نشر ثقافة ريادة الأعمال والعمل الحر بين الشباب.
وأكد على أن الاستثمار في التعليم يمثل استثمارًا حقيقيًا في رأس المال البشري، وهو الأساس لتعافي الاقتصاد الفلسطيني، مشددًا على أن نجاح الطالب لا يُقاس فقط بالحصول على مقعد جامعي، بل بمدى قدرته على اكتساب المهارات التي تؤهله للإنتاج والمنافسة والمساهمة في بناء مستقبل غزة.

