﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 22)
غزة يوسف هذا الزمن… وعدٌ يصنعه الابتلاء
قصة يوسف عليه السلام تقوم على فكرة مركزية: أن الوعد الإلهي لا ينفصل عن صناعة الإنسان المؤهل لحمله، وأن الرؤيا ليست إعلان نهاية بل بدء مسار تربوي طويل يعيد تشكيل الداخل قبل تحقق الخارج. فالرؤيا بذرة وعي تُدخل صاحبها في زمن من الانتظار المفعم بالابتلاء، حيث تتوالى التحولات القاسية لا بوصفها انقطاعًا عن الوعد، بل كآليات إلهية لصقل النفس وإعدادها. وهكذا يتبين أن الابتلاء ليس مرحلة عابرة، بل عنصر تأسيسي في صناعة الأهلية للتمكين، وأن كل ضيق يقابله اتساع داخلي في الصبر واليقين والفهم. وعند لحظة التمكين لا يظهر الحدث كمفاجأة، بل كاكتمال طبيعي لمسار طويل من التربية الإلهية، حتى صار تحقق الوعد إعلانًا عن اكتمال الإنسان الذي حُمّل به. ومن هنا ندرك أن التأخر في الوعود ليس تعطيلًا، بل جزء من هندسة إلهية دقيقة لصناعة الاستعداد قبل الامتلاك.
وغزة اليوم تعيش هذا القانون السنني بكل تفاصيله. أطفالها لم يعرفوا الطفولة كما عرفها العالم، كأنهم وُلدوا كبارًا في زمن الطغيان والدمار. نساؤها جبال من الصبر، رجالها حملة هموم فاقت أعمارهم، ومكانها مدرسة قاسية تصوغ أرواح الأجيال على نار المحن يوماً بعد يوم.
هنا، تنمو المناعة من بين الركام، ويُصقل العزم وسط الحرائق. هنا، يكبر القلب قبل الجسد، ويتفتح الوعي قبل أن يتعلم النطق. في غزة، لا يُترك للبراءة وقت كافٍ، ولا يُمهل الحلم أن يتمدد؛ لكنها رغم كل شيء، تظل تقول بصوت عنيد: "رغم الألم، نحن باقون."
78 عامًا من النكبة والتهجير والاحتلال، ومسلسل لا ينتهي من الحروب والحصار، لكن محرقة غزة المستمرة كانت الأعنف والأطول والأكثر إيلامًا. قصف لا يهدأ، مجازر تتكرر، نزوح مستمر، اقتصاد منهك، وطفولة تُسحق تحت أنقاض البيوت. أكثر من 18 ألف طفل شهيد، بعضهم بلا اسم، وبعضهم بلا جسد، وبعضهم بلا صورة مكتملة. ألعابهم بقيت شاهدة على الطفولة المسفوكة، ودماؤهم كتبت على الأرض أن العدل غائب، وأن الصمت قاتل، وأن غزة وحدها تدفع فاتورة الإنسانية عن العالم كله.
كانوا يمشون إلى المدرسة فعادوا في أكفان، أو يلعبون في الحي فاختطفهم الصاروخ. لكن الله شهِد، والسماء كتبت أسماءهم في سجل الخلود:
﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140)
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (آل عمران: 169)
لقد بلغوا الأشد وإن لم يبلغوا السن. صاروا علماء بالقهر، حكماء في الخسارة، أقوياء في وجه العالم، مجاهدين في ساحة الحياة، لا يعرفون إلا الاجتهاد والمصابرة والرباط:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200).
إن غزة، بكل ما فيها، باتت بمقام دولة عظمى، رأس حربة للخير في عالم مقلوب. يتآمر عليها محور الشر مجتمعًا، فلا تهتز لها شعرة، ولا تنكسر لها إرادة:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ (يوسف: 21–22).
ومن غزة يبدأ ضوء الفجر، ومن صغارها الذين لم يكونوا يومًا صغارًا تُكتب ملاحم الكبار.

