أعادت خريطة الممثل السامي في مجلس السلام الخاص بغزة نيكولاي ملادينوف الجديدة فتح النقاش بشأن طبيعة المقاربات الدولية تجاه قطاع غزة، بعدما حملت، وفق ما جرى تداوله إعلاميا مؤخرا، ترتيبات أمنية وإدارية يرى الخبير في الشؤون السياسية رامي الشقرة أنها تعكس انتقالا من البحث عن تسوية سياسية إلى إدارة الواقع الأمني، بما يمنح الاعتبارات الأمنية أولوية على معالجة جذور الصراع.
البنود التي جرى تداولها إعلاميا بشأن النسخة الجديدة من خريطة ملادينوف إلى مقاربة تضع البعد الأمني في صدارة عملية إعادة ترتيب المشهد في القطاع. ووفق البنود المسربة، تقوم الخطة على نقل إدارة القطاع إلى "اللجنة الوطنية" بقيادة د. علي شعت، ومنحها كامل الصلاحيات، وربط مراحل التنفيذ بآليات تحقق دولية، مع اعتماد مبدأ "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد"، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي مرحلي.
ووفق ما نقلت صحيفة العربي الجديد، أمس، عن مصدر فلسطيني مطلع، فإن ملادينوف، قدم قبل نحو أسبوع خريطة من 15 نقطة "تنسف التفاهمات السابقة" التي جرى بحثها مع الوسطاء في مدينة العلمين شمالي مصر، بشأن الانسحاب الإسرائيلي المتزامن من قطاع غزة، وحصر السلاح، والتعديلات التي قدمتها الفصائل الفلسطينية.
وبحسب المصدر، وهو من الفصائل التي شاركت في حوار العلمين، فإن ما قدمه ملادينوف "عبارة عن استسلام كامل، وعرض للشروط الإسرائيلية التي ركزت على الأنفاق وحتى تسليم السلاح الشخصي للأفراد، وهذا أمر مرفوض تماما".
وفي هذا السياق، يقول الخبير في الشؤون السياسية رامي الشقرة، إن خريطة ميلادينوف الجديدة تبدو أقرب إلى إعادة تشكيل الواقع في غزة وفق اعتبارات أمنية خارجية، تتقدم فيها الأولوية الإسرائيلية على حساب أي اعتبارات فلسطينية، فهي لا تنطلق من معالجة جذور الصراع بقدر ما تركز على إدارة الوضع الأمني واحتوائه، ما يجعلها أقرب إلى مقاربة مفروضة بغطاء دولي أكثر من كونها خطة نابعة من احتياجات المجتمع الغزي نفسه.
"الأمن" في قلب الخطة
في قراءة الشقرة لبند "سلاح واحد بيد جهة واحدة"، فإنه يؤكد أن هذا الطرح لا يمكن قراءته كمسار تقني لضبط الأمن فقط، بل كجزء من إعادة هندسة بنية القوة داخل غزة وفق تصور أمني دولي، وأن تطبيقه مشروط بوجود تسوية سياسية فلسطينية داخلية تنتج مركز قرار موحد، وهو غير متحقق في اللحظة الراهنة، ما يجعل إدراجه ضمن خطة خارجية لإدارة ما بعد الحرب مرتبطًا بتوازنات أمنية أكثر من كونه توحيدًا طبيعيًا لها.
كما يرى أن الإشكال الأساسي في هذه المقاربة أن فصل "الأمن" عن "السياق السياسي للاحتلال" يجعل مبدأ احتكار السلاح يتحول من أداة تنظيم داخلي إلى أداة ضبط سياسي، تستخدم لإعادة تشكيل ميزان القوة لا لإنهاء الانقسام، وبالتالي فإن واقعية هذا المبدأ تبقى محدودة ومشروطة وتخضع لمنطق الترتيب الأمني الدولي أكثر من التوافق الوطني الداخلي.
بين الامن والحقوق الاساسية
وبشأن اللجنة الوطنية، يشير الشقرة إلى أن استقلالها يبدو محدودا بطبيعته البنيوية، فطالما أن تشكيلها وصلاحياتها مرتبطان بمرجعية دولية وتمويل خارجي، فإن هامش قرارها سيكون محكوما بسقف سياسي وأمني مسبق.
أما في ملف الانسحاب الإسرائيلي، فيقول إن ربطه بجمع السلاح من فصاىل المقاومة لا يخدم الاستقرار بقدر ما يعيد تعريفه كمسار مشروط ومفتوح زمنيا، بدل أن يكون خطوة سيادية نهائية، موضحا أن المعادلة تقوم على تبادل غير متزامن، تقدم في ملف السلاح مقابل انسحاب تدريجي، بما يتيح التحكم بإيقاع التنفيذ وتجزئته وفق معايير قابلة للتأويل.
ويضيف أن هذا النمط ليس جديدا بالكامل، إذ يقترب من منطق الترتيبات التي ظهرت في الحالة اللبنانية، حيث تحول مفهوم "الانسحاب الكامل" إلى واقع معقد يتداخل فيه الأمني بالوظيفي، وتبقى مناطق تماس أو ترتيبات أمنية غير محسومة بشكل نهائي.
ويشير الشقرة إلى أن الشعب الفلسطيني عموما وفي غزة على وجه الخصوص، ومن خلال مسيرته النضالية لأكثر من مئة عام، لا يمكن أن تفرض عليه حلول بما فيها الأمن ما لم تكن تلبي احتياجاته الأساسية من الحقوق الوطنية، وأنه حتى إذا سكن فترة لالتقاط أنفاسه فإنه يعيد الكرة لاسترداد حقوقه، وأن التعامل مع القوة الدولية طالما لم تقترب من ثوابته وحقوقه سيكون بحياد، وإن تبنت ما يخالف ذلك فإنه يستطيع أن يقول كلمته الأخيرة دون أن يكترث للحسابات كثيرًا.

