بعكس ما جاء بوثيقة "مجلس السلام" الذي يتضمن ١٥ بندا، من ضمنها تخزين "السلاح الثقيل" للمقاومة في غزة بأيدٍ فلسطينية مقابل وقف أشكال العدوان كافة، وانسحاب جيش الاحتلال، وفتح المعابر، وإدخال اللجنة الإدارية والقوات الدولية ضمن خطط متدرجة مرتبط بعضُها ببعض، اشترط رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمس ما سماه "نزع" سلاح المقاومة كاملا قبل انسحاب جيش الاحتلال، معلنا رفض وثيقة مجلس السلام.
ويشكل رفض نتنياهو وفق مراقبين، محاولة منه لنسف جهود الانتقال للمرحلة الثانية وإعادة الأمور لنقطة الصفر ليواصل التصعيد وارتكاب المجازر والتجويع وإغلاق المعابر، فضلا عن أن ذلك يكشف استخدام نتنياهو "مجلس السلام" حسب الحاجة.
اختبار سياسي
ورأى الكاتب وسام عفيفة أن رفض نتنياهو لوثيقة مجلس السلام لا يعرض الاتفاق إلى ضربة إسرائيلية فقط، بل يضع إدارة ترمب نفسها أمام اختبار سياسي.
وقال عفيفة: إن "المفارقة أن نتنياهو يعلن رفض وثيقة يتبناها الرئيس ترمب شخصيًا، وتحظى بترحيب دولي، بعدما قطعت الفصائل الفلسطينية والوسطاء شوطًا في التفاوض عليها وقدمت تنازلات في أكثر ملفاتها حساسية، وفي مقدمتها ملف السلاح".
وأضاف أن هنا تتجاوز دلالة الموقف الإسرائيلي الخلاف على بند أو صياغة؛ فاشتراط ما يسمى "نزع سلاح حماس" «فعليًا» قبل أي انسحاب يعيد ترتيب منطق الاتفاق من أساسه، وينقل بند السلاح من مسار متدرج ومتزامن مع ترتيبات الانسحاب إلى شرط إسرائيلي مسبق للانسحاب.
وتابع، أن الكرة عمليًا تنتقل إلى الملعب الأميركي. فإما أن تضغط إدارة ترامب لحماية خطتها وإلزام نتنياهو بالسقف الذي رعته واشنطن، وإما أن تبحث عن «إخراج» جديد يستوعب الرفض الإسرائيلي عبر إعادة تفسير البنود أو تعديل آليات التنفيذ.
وشدد عفيفة على أن هنا يكمن الخطر؛ لأن فتح الوثيقة مجددًا يعني العودة من التفاوض على التنفيذ إلى التفاوض على الاتفاق نفسه، ويمنح الاحتلال فرصة جديدة لكسب الوقت ورفع سقف شروطها.
ويعتقد أن الأيام المقبلة ستكشف لذلك ليس فقط مصير وثيقة مجلس السلام، وإنما مقدار استعداد ترمب للدخول في مواجهة سياسية مع نتنياهو دفاعًا عن خطته ذات العشرين بندًا.
تأجيل الاستحقاقات
بدوره، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج، أن نتنياهو يحاول تفسير الاتفاق من صيغة تلزمه بخطوات سياسية وأمنية إلى صيغة تجعل ما يسمى "نزع سلاح حماس" شرطا مسبقا لأي انسحاب وهذا فرق جوهري، لأنه يسمح للاحتلال بتأجيل الاستحقاقات العملية إلى أجل غير محدد.
ويعتقد الحاج في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن رفض نتنياهو يأتي في سياق شد وجذب حول من يحدد قواعد المرحلة المقبلة.
ولفت إلى أن ترمب ونتنياهو، عند إنشاء ما يسمى "مجلس السلام” أرادا الالتفاف على الأمم المتحدة التي بدأت مؤسساتها تدين الاحتلال بصورة متزايدة.
وشدد على أنه كان يفترض بالمجلس – رغم انحيازه الواضح للاحتلال- أن يحاول الظهور كإطار أكثر اعتدالا.
لكن هذا لا يرضي نتنياهو، وفق الحاج، لأنه يريد مؤسسة دولية بالظاهر، لكنها تتحرك وفق اجندة حكومته في الباطن، لا مؤسسة تطلب منه تنفيذ سياسات او التزامات معينة.
ورأى أن نتنياهو يتهرب من بنود الاتفاق، لأن الاتفاق السياسي، مهما كان شكله، يفرض عليه ثمنا داخليا، فحكومة اليمين ترى أن أي تسوية جدية قد تعني تفكك ائتلافها وخسارة سياسية في الانتخابات.
وتابع أن إبقاء الملف في دائرة المفاوضات يخفف الضغط الدولي والإقليمي، ويمنح نتنياهو وقتا للمناورة، لذلك يبدو أن شراء الوقت ليس نتيجة جانبية، بل هو جزء من الإستراتيجية نفسها.
ولفت إلى أن المشكلة الاساسية هي أن أي موافقة إسرائيلية على مهلة زمنية لا تعني بالضرورة قبولها بالمسار السياسي الذي يفترض أن يليها.
وذكر أن نتنياهو يستطيع الموافقة على إطار زمني ثم إعادة تعريف شروط التنفيذ، خصوصا إذا بقي بند ما يسميه الاحتلال "نزع السلاح" مفتوحا وقابلا للتأويل.
وشدد لذلك على وجوب التفريق بين الموافقة على مهلة وبين الموافقة على نتائجها.
وبشأن تداعيات رفض نتنياهو، حذر من أن النتيجة الأخطر هي إبقاء غزة في حالة معلقة، لا انسحاب كامل ولا تسوية ولا عودة للحياة، مع استمرار العدوان العسكري والضغط السياسي.
وأضاف: "هذا يعني أن الغزيين سيدفعون ثمن المماطلة، في حين تستمر حكومة نتنياهو في استخدام المفاوضات كغطاء سياسي".
٣ سيناريوهات
ويعتقد أن المشهد الآن يدور حول ثلاثة خيارات: اتفاق، أو إبقاء الوضع الراهن، أو العودة إلى الحرب.
ورأى أن المفاضلة بينها لا تجري فقط على أساس ما يخدم أمن الاحتلال، بل أيضا على أساس سؤال انتخابي بسيط: أي خيار يحافظ على نتنياهو وائتلافه؟
لذلك فإن أي اتفاق في هذه المرحلة قد يمثل خسارة لليمين، في حين يمنح استمرار الوضع الحالي الحكومة مساحة للمناورة، والعودة إلى الحرب تبقى خيارا يمكن استخدامه إذا احتاجت حكومة الاحتلال إلى تعبئة قاعدتها من المستوطنين المتطرفين، وفق الحاج.
واللافت، بحسب المختص ذاته، أن هذا كله يجري مع استفادة نتنياهو من انشغال ترمب بأزمات أخرى، من هرمز إلى الانتخابات النصفية، لذلك لا يبدو رفض نتنياهو مجرد اعتراض على نص صدر يوم الجمعة، بل محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة نفسها وأن تكون المؤسسات الدولية موجودة لخدمة الاحتلال دون أن تتحول إلى جهة تضع شروطا عليه.
وتابع أن هذا يجعل ما يسمى "مجلس السلام” أمام اختبار حقيقي، هل هو مجلس يستطيع إلزام نتنياهو، أم مجرد إطار آخر يستطيع نتنياهو استخدامه عندما يناسبه؟

