في مشهد سياسي لا يحدث كل يوم، ويتزامن مع الاستعداد للانتخابات، برزت رسالة قانونية وُصفت بأنها "غير مسبوقة"، موجّهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو، تحمل تواقيع أكثر من مئة شخصية وُصفت بأنها من "الوزن الثقيل".
الرسالة التي أُرسلت قبل عشرة أيام تقريبًا، لوّحت باللجوء إلى القضاء لـ"القضاء على الإرهاب اليهودي" في الضفة الغربية.
تضم قائمة الموقعين رؤساء وزراء سابقين، كإيهود أولمرت وإيهود باراك، وقادة أجهزة استخبارات سابقين، سواء من الموساد أو الشاباك، فضلًا عن آخرين ممن وُصفوا بأنهم أكاديميون وقضاة.
من منظور فلسطيني، تبدو هذه الرسالة مفارقة صارخة؛ فالموقعون هم مهندسو المنظومة الأمنية والسياسية التي أنتجت هذا الواقع. أما استخدام مصطلح "الإرهاب اليهودي"، فهو ليس اكتشافًا أخلاقيًا، ولا صحوة ضمير، بقدر ما هو محاولة من نخب إسرائيلية لإنقاذ ما تبقى من صورة دولتهم من التفسخ.
إن تلك النخب تدرك أن غطاءها الدولي تلاشى، وأن تهم الفصل العنصري تلاحق كيانهم في المحافل الدولية، وما الرسالة إلا طوق نجاة لسمعة الدولة، وليست حرصًا على عدالة مفقودة.
وهنا تبرز الحقيقة الأكثر إيلامًا في واقعنا السياسي، وذلك من وحي الواقع الذي عشناه ونعيشه، وهي أن هذه الرسالة، مهما بدا صخبها القانوني عاليًا، لا ينبغي أن تُقابل بأي "بارقة أمل" من السلطة الفلسطينية، التي أدمن قادتها، لعقود، رهانهم الفاشل على الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، مرة بعد أخرى، منتظرين "معجزة" سياسية لن تحدث.
إن المؤسف حقًا أن هذه القيادة، رغم وضوح المشهد، لا تراه؛ تعيش حالة إنكار للواقع، وتغلق أعينها عن حقيقة أن البنية الاستعمارية قد اكتملت في ظل عهود من التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي.
هذا الانتظار العبثي تحول إلى دورة زمنية خائبة؛ تُعلّق الآمال على كل دورة انتخابية في دولة الاحتلال، لتأتي التشكيلة الحكومية الجديدة دائمًا أكثر تطرفًا وعداءً من سابقتها، وكذلك الحال مع الإدارات الأمريكية التي تتغير وجوهها، وتبقى سياساتها، في الجوهر، انحيازًا أعمى للاحتلال.
إن سنوات الضياع التي قضتها السلطة في انتظار "الراعي النزيه"، أو "الشريك العقلاني"، أو "المعجزة السياسية"، لم تعمِ بصيرتها عن رؤية الواقع فحسب، بل جعلتها رهينة لانتظار سلبي، عطّل أي خيارات وطنية حقيقية.
إن الرهان على التغيير الخارجي ليس سوى هروب من استحقاقات المواجهة، وهو رهان أنتج حالة من الشلل الوطني، وجعل القرار الفلسطيني مرتبطًا بمدى رضا عواصم القرار الغربي، الذي لا يرى فينا سوى رقم في معادلة أمنية، أو متلقٍّ لقائمة غير منتهية من التعليمات، التي قد تجعل من الفلسطينيين مقبولين عالميًا، وأهلًا لفتح قنوات اتصال معهم، أو تقديم بعض المساعدات المشروطة، لا أكثر.
إن الرهان على هذه الرسالة أو غيرها، أو جنوح نحو اليسار في التركيبة الإسرائيلية كإشارة لتغيير بنيوي، هو قراءة قاصرة بعيدة عن الواقع، ثبت فشلها بالدليل؛ فما تراكم على الأرض الآن تجاوز الإرهاب الذي تحدثت عنه الرسالة، وتحولت الضفة الغربية إلى منظومة سيطرة ميدانية كاملة: شبكة طرق استيطانية، ومناطق "عازلة"، ونظام فصل عنصري يقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، مما يجعل أي تصور لدولة فلسطينية - مهما كان شكلها - أمرًا أشبه بالمستحيل.
وحتى عند محاولة البحث عن مقارنات، لا نجد في العالم نموذجًا يطابق الحالة الفلسطينية؛ وأي مقارنات، مهما كانت، هي بعيدة كل البعد عن الواقع، حيث تظل الحالة الفلسطينية فريدة في تفصيلاتها وتعقيدها؛ من احتلال عسكري مقيم، واستيطان إحلالي متغلغل، ونظام فصل عنصري يعيد تشكيل الجغرافيا.
إن هذه البنية الاستعمارية لا تُفكك عبر آليات ما يسمى بـ"القضاء الإسرائيلي"، أو بقرارات إدارية؛ لأنها ليست "حوادث" متفرقة، بل سياسة ومشروعًا متكاملًا للسيطرة، وبنية صُممت لتستمر، لا تعترف بحدود، ولا بأخلاق، ولا بقانون، ما يجعل السعي خلف مسارات قانونية داخل منظومة الاحتلال ضربًا من العبث الذي يغذي وهم التغيير.
الفجوة الحقيقية ليست بين خطاب سياسي وآخر داخل دولة الاحتلال، بل بين الأوهام التي تُبنى في رام الله، وبين الواقع الذي يُفرض يوميًا في الميدان، في القدس كما في شمال الضفة وجنوبها. وبالتالي، فإن هذه الرسالة هي صرخة لا تجد من يسمعها داخل "البيت الإسرائيلي"، وهي محاولة لإنقاذ شرعية دولة احتلال من التآكل، وليست دعوة لإنهاء الاحتلال.
وبالنسبة للفلسطينيين، يظل السؤال الأكثر قسوة: إلى متى سيبقى النظام السياسي رهين نتائج صناديق الاقتراع في واشنطن وتل أبيب، بينما الأرض تُنتزع من تحت أقدامنا شبرًا شبرًا، وعلى مدار نصف قرن؟ إن استمرار هذا الرهان ليس مجرد عجز سياسي، بل هو تغييب للذات الوطنية عن ساحة الفعل، في وقت لم تعد فيه الجغرافيا تنتظر أي وعود أو رسائل.
لقد آن الأوان لكسر هذه الدائرة المفرغة، والالتفات نحو استراتيجية وطنية لا تنتظر إذن الاحتلال أو اعتراف حلفائه؛ فالحق الذي لا يحميه فعل ميداني على الأرض سيظل مجرد حبر على ورق في رسائل من وهم.

