﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49)
عاشوراء غزة
في يوم عاشوراء، لا تُستعاد القصة بوصفها ذكرى عابرة، بل تُستدعى بوصفها قانونًا من قوانين التاريخ: صراعٌ أبدي بين الحق والباطل، بين الاستضعاف والاستعلاء، بين الطغيان الذي يظن أنه خالد، ووعد الله الذي لا يتخلف.
﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾… ليست آية تُتلى فحسب، بل مشهدٌ يتكرر في كل زمان، حيث يولد الطغيان بأشكال جديدة، وتبقى سنة النجاة واحدة: أن مع العسر يسراً، وأن مع الدم المظلوم فجراً لا يُرد.
لقد عاش موسى عليه السلام وقومه مرحلة استضعافٍ خانقة، لم تكن انتظارًا سلبيًا للفرج، بل كانت اختبارًا عميقًا للهوية والإيمان والقدرة على الثبات. وحين جاء وعد الله، لم يكن مجرد نهاية لفرعون، بل بداية لمرحلة أخطر: مرحلة ما بعد الطغيان.
هنا تتجلى الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون: أن إسقاط الظلم ليس النهاية، بل هو الامتحان الأصعب. الانتقال من الاستضعاف إلى الاستخلاف لا يُمنح، بل يُصنع. لا يكفي أن يسقط الطاغية، بل يجب أن تنهض الأمة على شروط البقاء، وإلا أعادت إنتاج الهزيمة بأيديها.
موسى عليه السلام واجه لحظة الحقيقة الكبرى عند البحر، فقال بيقين النبوة: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. يقينٌ لا يهتز، لكنه كان يقين قائدٍ يحمل الرسالة، بينما كانت الجماعة ما تزال تتعلم معنى الثبات تحت الضغط، ومعنى أن الطريق إلى النجاة لا يُفتح بالرجاء وحده، بل بالفعل والإرادة.
وحين غاب البناء، انكشفت الثغرة. عبد قومه العجل، وتراجعوا عند أول اختبار، وقالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. هناك بدأ الانكسار الحقيقي: حين انفصل الإيمان عن الفعل، واليقين عن المسؤولية، والرسالة عن شروطها.
فكانت سنة الله واضحة: تيهٌ يمتد، وجيلٌ يتبدل، حتى تنشأ أمة جديدة لا ترتجف أمام التكليف، بل تقول بثقة الداخلين في التاريخ: ﴿اجْعَل لَّنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
إنها ليست قصة بني إسرائيل وحدهم، بل قانون الأمم حين تنهض وتنهار: من لا يكتمل وعيه بالتحرر، يتحول تحرره إلى فوضى، ومن لا يحمل مشروع ما بعد الخلاص، يعود إلى قيودٍ جديدة من داخله.
وفي هذا السياق، تصبح غزة — بكل ما تمر به من ألمٍ وصمودٍ وجراح — جزءًا من اختبارٍ تاريخي قاسٍ: هل يكون الصبر مجرد احتمال للوجع، أم يتحول إلى وعيٍ يصنع شروط البقاء والاستخلاف؟
إنها ليست لحظة بكاء على الاستضعاف، بل لحظة إدراك أن السنن لا تحابي أحدًا: من استوفى شروط الثبات والوعي والبناء، عبر؛ ومن اكتفى بردّ الفعل، أعاد التاريخ تدويره عليه.
هكذا فقط تُفهم عاشوراء: ليست ذكرى نجاة فقط، بل إعلان دائم أن الطغيان إلى زوال، وأن الأمم لا تُبنى بالدموع وحدها، بل بالإرادة التي تحول الدم إلى مشروع، والصبر إلى قوة، والمحنة إلى بداية طريق.
ومن هنا، يبقى الوعد الإلهي حاضرًا في الوعي قبل الأرض: أن الحق لا يُهزم، لكنه قد يتأخر حتى تتهيأ له أمةٌ تعرف كيف تنتقل من لحظة النجاة… إلى لحظة الاستخلاف.

