في قلب الخيام وما تبقى من منازل مدمرة، ساد هدوء الجمعة المعتاد في غزة، إلا من أصوات تتداخل في كل زاوية؛ سيدة تنافح الحطب لإيقاد نار عساها تجد ما تطهوه، وأب وأطفاله يطاردون حفنة ماء تحت الحر.
بين أزقة تلك الخيام، صرخات لا تتوقف. سيدة وضعت مولودها حديثًا تفتقر إلى الحليب الطبيعي لإرضاعه بعد مجاعة امتدت لأشهر، لا تزال آثارها بادية على وجوه شاحبة تعاني سوء التغذية الحاد، في وقت تتزايد فيه حالات سوء التغذية، لا سيما بين الأطفال.
تحت أقمشة الخيام المهترئة، دموع ساخنة تنسكب من رجل فقد عائلته... وناجٍ أو ناجية يقاومان وجع الفقد بعد أن خسرا عائلتيهما. هناك تتسارع نبضات قلب أرملة، وأم، وأب، وأخ، وأخت سلبت منهم الحرب أعز من يملكون.
في زواياها، تنطلق خيالات أصحاب المنازل المدمرة إلى أركانها التي بنوها سنة بعد سنة، وإلى ذكرياتهم المنقوشة في حجارتها، وإلى مراحل حياتهم التي كبروا فيها مع أبنائهم بين جدرانها، ثم مُحيت في غمضة عين، بعد أن طال الدمار معظم مباني القطاع.
وسط الحصار، يحدق أب في وجوه أطفاله. يبادلونه النظرات، ويسألونه، لا بالكلمات بل بقرقرة بطونهم، إن كانوا سيبيتون ليلة أخرى بلا طعام يعجز عن شرائه، أو بشراب لا يرونه إلا في الأحلام.
وليلًا، يعلن عجزه أمامهم.. لا يستطيع حمايتهم، لا من الصواريخ فحسب، بل من الجرذان والحشرات التي تتسلق أجسادهم وتشوه وجوههم، بلا سم كافٍ للجرذان، ولا دواء متوفر يداوي جراحهم.
يطارد بقعة ضوء في خيمته، فيبدو له شعاع نور أكثر استحالة من شروق الشمس ليلًا، بلا كهرباء، ولا أسلاك، ولا وحدات إضاءة، ولا بطاريات أو ألواح طاقة شمسية، مصنفة على أنها "ممنوعات".
فوق أنقاض منازلهم أو على مقربة منها، "خط أصفر" وآخر "برتقالي" يوشحان أيامهم وسنيهم بالسواد. في بقعة جغرافية لا تكاد تتجاوز مساحة مدينة لاس فيجاس بولاية نيفادا الأميركية، لكن على ركامها، وعلى جثامين شهدائها، وآهات شعبها، يجثم جيش جرار بأحدث ترسانة عسكرية اشتهرت بقتل الأطفال والنساء والعزل.
يزحف الخطان صوبهم، لا زحفًا صامتًا، بل بالرصاص والقذائف والصواريخ... ويزجانهم في أقل من 40% من مساحة القطاع، بعد موجات نزوح متكررة لم تترك لهم مكانًا آمنًا.
فيما تبقى من طرقات غزة، لا يأمن أي من المعذبين في غزة على نفسه. تجوب سماءها طائرات حربية تمارس هوايتها في قصف من تشاء، وقتما تشاء... من المدنيين.
في كل مجزرة حكاية، وداخل كل منها ألف حكاية... لعريس لم يُزف، وجنين لم يولد، وأم لم تكتمل فرحتها بأبنائها، وطالبة دفنتها الصواريخ مع حلمها في تقديم امتحانات الثانوية العامة.
في مستشفياتها... أو ما بقي منها، يصارع المرضى أوجاعهم، بلا أجهزة تشخيص، ولا أدوية تناسب آلامهم، ولا فرصة للعلاج في الخارج.
في مخيماتها، طلبة، وأصحاب إقامات وجنسيات، وأزواج تفرقوا عن أحبابهم، وعن مصالحهم، وعن فرص طاردوها لأعوام، ثم خسروها في سنتين ويزيد من الحرب، أمام أبواب المعبر الموصدة.
وفي جنباتها، تتساءل مسنة: كيف تتكرر النكبة؟ تلك جريمة فاعلها واحد منذ عام 1948، لا تختلف أي منها عن الأخرى سوى بحداثة الأسلحة وارتفاع وتيرة وحشيتها، لكنها لا تتوقف.
في داخلها، ثورة على محتل سلب حياة شعب كامل منذ 78 عامًا، وعلى من صفق، أو تواطأ، أو صمت... وتلك ثورة لا يراها العالم، أو لا يريد أن يراها.

