ما الذي يمنع أن تعيش غزة بسلام كما تعيش شعوب العالم؟ وما الذي يحول دون أن يحصل أكثر من مليوني إنسان على حقهم الطبيعي في الأمن والاستقرار والعمل والتعليم والتنقل وإعادة البناء؟
إنه سؤال يفرض نفسه بقوة كلما اشتدت المأساة، وكلما ازداد عدد الضحايا، وكلما شاهد العالم مدينة تُهدم مرة بعد أخرى، ثم يُطلب من أهلها أن يبدأوا الحياة من جديد فوق الركام.
غزة لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن امتيازات خاصة، وإنما تطالب بما تطالب به كل شعوب الأرض: أن يعيش الإنسان في بيته آمنًا، وأن يذهب الطفل إلى مدرسته دون خوف، وأن يجد المريض دواءه، وأن يتمكن الأب من إعالة أسرته بكرامة، وأن تُتاح للناس فرصة بناء مستقبلهم بعيدًا عن الحروب والحصار والدمار.
وقد لخّص القائد خالد مشعل جانبًا من هذه الفكرة حين قال: «أعطونا فرصة كما أعطيتم الشرع في سوريا». فبعيدًا عن الجدل السياسي، فإن جوهر الرسالة يتمثل في مطالبة العالم بأن يمنح غزة فرصة للحياة، وفرصة لإعادة البناء، وفرصة لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي بعيدًا عن ضغوط الحرب وأجواء الصراع المستمر.
فمن حق الفلسطينيين، كما هو حق سائر شعوب الأرض، أن يديروا شؤونهم عبر الوسائل الديمقراطية المعروفة، وأن تُجرى انتخابات تشريعية وبلدية ومؤسساتية في أجواء طبيعية ومستقرة، وأن يختار الشعب من يمثله ومن يتولى إدارة شؤونه. فالاحتكام إلى إرادة الناس وصندوق الاقتراع هو الطريق الطبيعي الذي تسلكه المجتمعات الحديثة، وهو الوسيلة التي تمنح أي نظام سياسي شرعيته الحقيقية واستمراره.
في غزة ليس هناك شعبٌ يبحث عن الحروب بطبيعته، بل هو شعب يتوق إلى الحياة والحرية والاستقرار مثل بقية شعوب العالم. يتطلع إلى جامعة مفتوحة لا تهددها الحرب، ومستشفى قادر على خدمة المرضى، ومصنع يوفر فرص العمل للشباب، وميناء ومطار يربطان غزة بالعالم، ومدارس يذهب إليها الأطفال دون خوف من القصف أو النزوح.
لقد أثبت أهل غزة خلال سنوات طويلة أنهم قادرون على الصمود بصورة استثنائية. ورغم الحصار والحروب المتكررة والنزوح وفقدان المقومات الأساسية للحياة، بقي المجتمع متماسكًا، واستمرت المؤسسات التعليمية والصحية والخيرية في أداء دورها بقدر ما تسمح به الظروف. وهذا دليل على أن المشكلة ليست في قدرة الناس على البناء، بل في غياب البيئة الآمنة التي تسمح لهم بممارسة هذا الحق الطبيعي.
وإذا كان المجتمع الدولي يتحدث باستمرار عن حقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: لماذا لا تُمنح غزة الفرصة ذاتها التي مُنحت لشعوب أخرى خرجت من الحروب والأزمات؟ ولماذا يبقى حق أهلها في الحياة الطبيعية مؤجلًا عامًا بعد عام؟
إن التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا يمكن أن تبقى أسيرة الحروب إلى الأبد. فبعد كل حرب تأتي مرحلة إعادة البناء، وبعد كل صراع تأتي مرحلة البحث عن الاستقرار. وهذه سنة جرت عليها الأمم عبر التاريخ. فلا يمكن لأي مجتمع أن يعيش إلى ما لا نهاية في دائرة الدمار والتهجير والخوف وانعدام الأفق.
ولعل من أهم الحقائق التي ينبغي إدراكها أن لكل مرحلة رجالها، ولكل زمن أدواته ومتطلباته. فما تحتاجه غزة اليوم لا يقتصر على الصمود وحده، بل يشمل أيضًا إعادة الإعمار، وفتح آفاق التنمية، وخلق فرص العمل، وإعادة بناء المؤسسات، وترميم النسيج الوطني الفلسطيني، وإعطاء الناس فرصة ليعيشوا حياة طبيعية تليق بكرامتهم الإنسانية.
ودعونا نطوي صفحة الماضي بحلوها ومرها، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، وانتصارات وآلام، وأن نتوحد جميعًا على فلسطين والإنسان الفلسطيني. فالأوطان لا تُبنى بالانقسام، ولا تتعافى الشعوب بتبادل الاتهامات، ولا ينهض المستقبل إذا بقينا أسرى خلافات الأمس.
لقد دفعت فلسطين أثمانًا باهظة خلال العقود الماضية، وقدّم شعبها من التضحيات ما يكفي لأن يكون موحدًا حول هدف واحد: حماية الإنسان الفلسطيني، وصون كرامته وحريته ومستقبله. واليوم يحتاج الفلسطينيون إلى خطاب يجمع ولا يفرّق، ويبني ولا يهدم، ويفتح أبواب الأمل بدل أن يعيد إنتاج الخصومات.
فلنجعل فلسطين هي العنوان الجامع، والإنسان الفلسطيني هو الأولوية الكبرى، ولنعطِ هذا الشعب فرصةً ليختار مستقبله ويصنع غده بنفسه. فكل وقت له رجاله، ولكل مرحلة متطلباتها، وما تحتاجه فلسطين اليوم هو الوحدة والعقل والحكمة والإرادة الصادقة لبناء مستقبل يليق بتضحيات شعبها العظيم.
ويبقى السؤال معلقًا أمام العالم كله: متى تحصل غزة على الفرصة التي حصلت عليها شعوب كثيرة قبلها؟ ومتى يتحول الحديث عن الحقوق الإنسانية من شعارات وخطابات إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية؟
إن أهل غزة لا يطلبون أكثر من حقهم الطبيعي في الحياة الكريمة، وأن يكون لهم الحق في اختيار ممثليهم وترتيب شؤونهم وبناء مستقبلهم بأنفسهم. فالشعب الذي صمد في وجه الحروب والحصار قادر أيضًا على بناء السلام والاستقرار إذا أُتيحت له الفرصة العادلة.
أما التاريخ، فقد أثبت مرارًا أن الأوضاع لا تبقى على حالها، وأن الأيام تتغير، وأن لكل مرحلة رجالها، ولكل وقت متطلباته، وأن إرادة الشعوب في الحرية والحياة الكريمة تبقى أقوى من كل محاولات كسرها أو إخمادها.

