فلسطين أون لاين

تقرير وسيم فرج.. من الملاعب إلى مطبخ النزوح

...
اللاعب وسيم فرج


b3a2042c-7471-450f-935b-7e3dc5594bae.jpegفي قطاع غزة الذي أنهكته حرب الإبادة، وتحت سماءٍ لم تعد تعرف سوى الدخان والانتظار، يعيش لاعب كرة القدم وسيم فرج واحدة من أكثر التحولات قسوة في مسيرته وحياته.

من ملاعب كانت تهتزّ بصوت الجماهير، إلى مطبخٍ إنساني يطهو الطعام للنازحين داخل الخيام، تتبدل الأدوار لكن يبقى الإنسان في قلب المشهد، محاولا أن يصمد وسط واقعٍ يضغط بكل ثقله.

حضور لافت

كان وسيم لاعبا في نادي اتحاد الشجاعية، أحد الأسماء التي صنعت حضورا لافتا في الدوري المحلي، حيث اعتاد أن يدخل البهجة إلى المدرجات، وأن يترك بصمته في مباريات فريقه الذي كان ينافس بقوة ويصعد تدريجيا في سلم الترتيب.

لكن الحرب على غزة قلبت كل شيء. الملاعب دُمّرت، الصالات الرياضية توقفت، والحياة الرياضية التي كانت متنفسا لآلاف الشباب، تحولت إلى ذكرى بعيدة. ومعها توقفت مسيرة جيلٍ كامل، بعد أن فقد كثيرون مصدر رزقهم الوحيد، فيما ارتقى أكثر من 1015 رياضيا شهيدا بحسب التقديرات المحلية.

اليوم، لم يعد وسيم يقف على المستطيل الأخضر، بل يقف في مطبخ "وورلد سنترال كيتشن" لإعداد الطعام للنازحين. 

هناك، بين القدور والبخار والوجوه المتعبة، يجد مساحة مختلفة للحياة، ويقول إن شعوره بالرضا لا يأتي من الأهداف أو التصفيق، بل من طبق طعام يصل إلى طفل جائع داخل خيمة، في مفارقة قاسية بين ماضٍ كان فيه صانع فرح على المدرجات، وحاضرٍ أصبح فيه صانع طعام للبقاء.

الحرب لم تكتفِ بإيقاف الرياضة، بل امتدت لتقتلع تفاصيل الحياة اليومية. منزل وسيم في حي الشجاعية شرق غزة لم يسلم، فقد تم تدميره بالكامل بواسطة جرافات وآليات الاحتلال، وتحول إلى ركام يطمر الذكريات. 

هناك، كانت الأشجار المثمرة تملأ الفناء، وكانت الميداليات والدروع وملابس النادي شاهدة على سنوات من الجهد والتعب. اليوم، لم يبقَ سوى ذاكرة مثقلة بالفقد.

كابوس طويل

يصف وسيم الأيام الأولى للحرب بأنها كانت صدمة تتجاوز القدرة على الاستيعاب، حيث تبدلت الحياة إلى "كابوس طويل"، كما يقول. نزوح متكرر من منطقة إلى أخرى، فقدان أصدقاء وأحبة، وتوقف كامل عن التدريب والمباريات. 

أما فريقه الذي كان في أوج تألقه وتصدر الدوري، فقد تلاشى نشاطه تحت وطأة الظروف، ومع الوقت تراجع كل شيء، بما في ذلك اللياقة والجاهزية البدنية للاعبين الذين انقطعوا قسرا عن ملاعبهم.

ورغم ألم الابتعاد عن كرة القدم، يؤكد وسيم أن عمله الإنساني في المطبخ يمنحه معنى آخر للحياة، ويقول لـ"فلسطين": "كنت أفرح الناس في المدرجات، واليوم أفرحهم بطبق طعام".

بعيدا عن المطبخ، يحاول وسيم متابعة مباريات مونديال 2026 حين تسمح الظروف، غالبا عبر مقهى صغير يملكه صديق له، أو عبر متابعة النتائج فقط بسبب طبيعة عمله وساعات الاستيقاظ المبكر.

ورغم ذلك، لا يخفي شغفه بالبطولة، مرجحا وصول منتخبات مثل فرنسا وإنجلترا والأرجنتين إلى المراحل النهائية، مع ميلٍ شخصي لتشجيع المنتخب الفرنسي لما يضمه من أسماء لامعة.

ويستعيد مقارنة سريعة مع مونديال 2022، حين كان متواجدا في مصر ويتابع المباريات في أجواء أكثر هدوءا واستقرارا، معتبرا أن نسخة قطر كانت أكثر تنظيما وإبهارا من حيث التفاصيل.

تضامن المونديال

لكن خلف متابعة كرة القدم، تبقى غزة حاضرة في كل حديث. يعتقد وسيم أن أي لفتة تضامن دولية مع غزة خلال الأحداث الرياضية العالمية يمكن أن تحدث أثرا معنويا كبيرا، موجها التحية لكل صوت يتعاطف مع معاناة المدنيين والرياضيين على حد سواء.

ورغم كل ما جرى، لا يزال حلم العودة إلى الملاعب قائما. يتمنى وسيم أن تتوقف الحرب، وأن تعود الرياضة إلى غزة، ليس فقط عبر إعادة ترميم الملاعب، بل عبر إعادة بناء الإنسان نفسه نفسيا وجسديا. حلم يبدو ثقيلا، لكنه بالنسبة له ولرفاقه ليس مستحيلا، بل احتمالا مؤجلا ينتظر لحظة ولادة جديدة في مدينة تبحث عن الحياة وسط الركام.

المصدر / إبراهيم أبو شعر