"لم يكن زوجي يبحث عن الشهرة أو المناصب، كان يؤمن أن الطبيب خُلق ليكون إلى جانب الناس في أصعب لحظاتهم، وكان دائمًا يقول: هذا واجبي الوطني تجاه أبناء شعبي". بهذه الكلمات تستعيد إيمان نصار، زوجة استشاري الغدد الصماء والسكري الشهيد الدكتور إيهاب الحلبي، سيرة طبيب لم يرَ في مهنته مجرد وظيفة، بل رسالة إنسانية حملها حتى اللحظة الأخيرة من حياته، قبل أن يرتقي شهيدًا خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، تاركًا خلفه عائلة تفتقد حضوره ومرضى ما زالوا يذكرون إنسانيته.
ولد الدكتور إيهاب الحلبي في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1974، في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، وتلقى تعليمه فيها، قبل أن يُسافر لاستكمال دراسة الطب، ليعود إلى قطاع غزة محملًا بحلم واحد؛ أن يضع علمه وخبرته في خدمة أبناء شعبه.
تقول زوجته في حديثها لـ"فلسطين": "منذ أن عاد إلى غزة لم يكن يفكر إلا في المرضى، كان يؤمن أن من يمتلك العلم عليه أن يسخره لخدمة الناس، وكان يعتبر الطب رسالة قبل أن يكون مهنة".
عمل الدكتور الحلبي استشاريًا للغدد الصماء والسكري، وتنقل بين المستشفيات والعيادات، حتى أصبح قريبًا من قلوب مرضاه الذين عرفوه بابتسامته وهدوئه وحرصه على الاستماع لكل حالة مهما كانت ظروفها.
وتضيف إيمان: "كان يعود إلى المنزل متعبًا، لكنه لا يشتكي، كان يحمل هموم المرضى معه، ويفكر في طرق مساعدتهم، لم يكن يرفض اتصالًا أو استشارة من أي مريض حتى في ساعات الليل".
مع اندلاع الحرب على غزة، ازداد تمسك الدكتور إيهاب بواجبه، وواصل عمله في المستشفى الإندونيسي، رغم القصف والخطر الذي أحاط بالطواقم الطبية.
تقول زوجته: "كنت أخاف عليه وأطلب منه أن يحافظ على نفسه، لكنه كان يجيبني: كيف أترك المرضى وهم بحاجة إلينا؟ مكان الطبيب في هذه الظروف هو المستشفى".
كان يغادر منزله وسط أجواء القصف، ويعود لساعات قليلة فقط، ثم يتوجه مجددًا إلى المستشفى. وتروي إيمان: "كان يشعر أن كل دقيقة قد تنقذ حياة إنسان، لذلك لم يكن يسمح للخوف أن يمنعه من أداء رسالته".
لكن الحرب لم تستهدف عمله فقط، بل امتدت إلى عائلته، حيث فقد ثلاثة من أشقائه استشهدوا في قصف إسرائيلي، كما تعرض منزل العائلة للقصف، لتتضاعف أحزانه وسط فقدان الأحبة واستمرار وقوفه إلى جانب المرضى.
ورغم الألم والخسارات، بقي الطبيب إيهاب متمسكًا بواجبه، مؤمنًا أن وجوده بين المرضى هو أقل ما يمكن أن يقدمه في تلك الظروف القاسية.
لكن الحرب انتزعت منه حياته، وحرمت أسرته من الزوج والأب والسند. تقول إيمان: "استشهد إيهاب، وأصبحت الحياة بعده مختلفة تمامًا. لم أفقد زوجًا فقط، بل فقدت رفيق العمر، وأبنائي فقدوا والدهم الذي كان مصدر الأمان لهم".
ووفق مصادر محلية، استشهد الطبيب الحلبي في قصف إسرائيلي استهدفه وهو في طريقه إلى عمله في أحد مستشفيات غزة، يوم 23 سبتمبر/ أيلول 2023.
وتتذكره كأب حنون رغم انشغاله الطويل في المستشفيات، قائلة: "كان يحرص على الجلوس مع أبنائه، والاستماع إليهم، وتشجيعهم على الدراسة، وكان يزرع فيهم حب الناس ومساعدتهم".
وتؤكد أن أثره لم ينتهِ برحيله، فمرضاه وزملاؤه ما زالوا يستذكرون مواقفه الإنسانية، قائلة: "كل من عرف إيهاب لديه قصة معه، كانوا يتحدثون عن أخلاقه واهتمامه بالناس قبل الحديث عن علمه وخبرته".
وترى إيمان أن الإنسان لا يُخلد بما وصل إليه من مناصب، بل بما يتركه في قلوب الآخرين، مشيرة إلى أن زوجها ترك إرثًا من الرحمة والعطاء سيبقى حاضرًا بين من عرفوه.
وتضيف: "أشعر أن عليّ مسؤولية كبيرة بعد رحيله، أن أحافظ على إرثه، وأن أربي أبناءه على المبادئ التي عاش من أجلها؛ حب الناس، والإخلاص، والرحمة".
وتختتم حديثها برسالة يغلب عليها الصبر والإيمان: "أعرف أن غيابه لن يعوض، لكنني مؤمنة أن من عاش حياته لخدمة الناس سيبقى حاضرًا في قلوبهم، أسأل الله أن يتقبله في الشهداء، وأن يمنح أبناءه القوة ليكملوا الطريق الذي كان يحلم به".
رحل الدكتور إيهاب الحلبي، لكن سيرته بقيت شاهدة على طبيب اختار أن يؤدي رسالته حتى النهاية، وأن يقف إلى جانب مرضاه رغم القصف والخطر، مؤمنًا بأن الطب عهد إنساني، وأن إنقاذ حياة إنسان هو أعظم رسالة يمكن أن يحملها الطبيب لوطنه وشعبه.

