في خيمة مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، يحمل منصور النجار (53 عامًا) أوجاع عائلة كاملة أثقلتها الحرب. فمنذ نزوحه من جباليا إلى مدرسة حلاوة، لم تعد معاناته مرتبطة فقط بفقدان منزل أو مرارة التشرد، بل بسلسلة من الخسارات التي طالت ابنه وزوجته وطفليه وحتى جسده المنهك، ليجد نفسه اليوم يخوض معركة جديدة عنوانها: إنقاذ من تبقى من أسرته.
لم يعد منصور ينظر إلى ما فقده في الماضي فقط، بل إلى ما يراه ينهار أمام عينيه كل يوم؛ ابن ينتظر علاجًا طال غيابه، زوجة تحمل صدمة لا تفارقها، وطفلان يواصلان العيش مع آثار إصابات قديمة، فيما يقف هو عاجزًا أمام احتياجاتهم المتزايدة.
من الموت إلى الحياة
في يناير/كانون الثاني 2024، كانت عائلة النجار تحتمي داخل مدرسة حلاوة شمال قطاع غزة، بعد أن أجبرها القصف الإسرائيلي على مغادرة منزلها في جباليا. وفي ساحة المدرسة، كان ناصر، الابن البالغ من العمر 19 عامًا، بين عشرات النازحين، قبل أن تتحول الساحة إلى مكان للموت والدمار.
يستعيد منصور تلك اللحظات بصوت تختلط فيه الكلمات بالبكاء، ويقول لـ"فلسطين": "أطلقوا صاروخين على ساحة المدرسة؛ الأول من طائرة استطلاع والثاني من طائرة إف-16. أصيب ناصر إصابة بالغة وفقد الوعي، وعندما وصل المسعفون قالوا لنا: ابنكم استشهد."
ويضيف: "غطوه بالشاش، وجلست أمه تصرخ وتبكي، ثم توسلت إليّ وقالت: أمانة عليك خليني أبوسه. قلت لها: انتظري حتى يكفنوه، إصابته في وجهه ولن تتحملي رؤيته. لكنها قالت: حتى لو من رجله، المهم أبوسه وأحضنه."
لكن لحظة الوداع تحولت إلى مشهد لم يكن أحد يتوقعه.
يروي منصور، وهو يمسح دموعه: "عندما احتضنته، أمسك ناصر بيدي، فصرخت زوجتي: الحق يا منصور... الولد حي، فيه روح."
ذلك العناق لم يكن نهاية القصة، بل بداية رحلة علاج طويلة وقاسية.
إصابات تركت أثرها
نُقل ناصر إلى المستشفى، حيث خضع لتدخلات طبية عاجلة، شملت شفط الدم من الرئتين، وإجراء فتحة في الرقبة لمساعدته على التنفس، إلا أن إصاباته كانت بالغة؛ إذ فقد عينه اليسرى بالكامل، وأنفه، والفك العلوي، إضافة إلى إصابة في الدماغ ونزيف داخلي.
ويقول والده إن نجله أمضى 18 يومًا في قسم العناية المركزة، ثم نحو 20 يومًا في أحد أقسام المستشفى، قبل أن يسافر إلى مصر برفقة والدته واثنين من أشقائه، على أمل بدء رحلة العلاج.
لكن ذلك الأمل ما زال مؤجلًا منذ نحو عام ونصف.
ويقول منصور: "حتى اليوم لم يتلقَّ ناصر علاجًا حقيقيًا، وكل ما نفعله هو دفع تكاليف الإقامة والطعام والدواء. حتى تغيير أنبوب التنفس يكلفنا نحو 700 دولار كل شهر أو شهرين، وأنا لا أملك شيئًا."
ومع تراكم الأعباء المالية، اضطرت والدة ناصر للعودة إلى غزة برفقة اثنين من أبنائها، فيما بقي ناصر في مصر برفقة خاله، ينتظر فرصة علاج قد تعيد إليه جزءًا مما فقده.
ويشير والده إلى أن ناصر لا يستطيع النوم إلا بعد تناول أدوية نفسية، كما أن طعامه يجب أن يُطحن بالكامل بواسطة الخلاط الكهربائي بسبب إصاباته.
أم عالقة في لحظة الفقد
لم تتوقف مأساة العائلة عند إصابة ناصر، فوالدته التي عاشت لحظة اعتقادها بأنها فقدت ابنها ثم عودته للحياة، لم تستطع تجاوز الصدمة.
يقول منصور: "أصبحت تصاب بتشنجات مفاجئة، وتخرج إلى الشارع وهي تصرخ: ابني مات... ابني مات. وكأنها تعيش اللحظة نفسها في كل مرة."
ويضيف أن حالتها الصحية تزداد سوءًا، إذ تعاني من السكري وارتفاع ضغط الدم، وآلام في غضاريف الظهر والرقبة، إضافة إلى كتلة ورمية حميدة في الدماغ تسبب لها ألمًا مستمرًا.
ويتابع بحسرة: "أحضرت لها الأدوية من مصر عندما عادت، لكن أثناء التفتيش أخذوها منها ورموها، وحتى الآن نبحث عنها في الصيدليات ولا نجدها."
أطفال يحملون جراح الحرب
أما طفلا منصور الآخرين، فتحمل ذاكرتهم جراحًا سبقت الحرب الحالية؛ ففي العدوان الإسرائيلي عام 2012، تعرض منزل العائلة للقصف أثناء وجودهما بداخله، وأصابهما الفسفور الأبيض في العينين، ما تسبب لهما بمشكلات دائمة في الرؤية، خاصة خلال ساعات النهار.
ومنذ ذلك الوقت، يحتاج الطفلان إلى نظارات وأدوية طبية يصعب توفيرها في ظل الظروف الحالية.
ولا يخفي منصور أن جسده هو الآخر أنهكته السنوات؛ فهو يعاني من الربو، وتعرض سابقًا لجلطتين في الدماغ، فيما دُمر منزله خلال ثلاث حروب متتالية قبل أن يختفي تمامًا في الحرب الأخيرة.
ويختصر رحلة حياته قائلاً: "في كل مرة كنت أجمع تعبي وشقاي وأعيد بناء البيت من جديد، لكن هذه المرة لم يبقَ شيء. أعيش اليوم في خيمة مهترئة، وأعتمد على التكية حتى أوفر لقمة العيش لعائلتي."
وبين ابن ينتظر العلاج خارج غزة، وأم تعيش على الأدوية والمسكنات، وطفلين يواجهان ضعف البصر، وأب يقاوم المرض والفقد والفقر، تختصر عائلة منصور النجار وجهًا آخر للحرب؛ فآثارها لا تُقاس فقط بعدد المنازل المدمرة، بل بما تتركه من جراح مفتوحة في أجساد الناس وذاكرتهم، تستمر بالنزيف حتى بعد توقف القصف

