ثلاث سنوات من الألم المتواصل، قضاها الطفل محمد رجب (11 عامًا) وهو يصارع مرضًا غامضًا أنهك جسده وحرمه من طفولته. فمنذ ظهور الأعراض الأولى، لم يتمكن الأطباء من تحديد طبيعة ما يعانيه بشكل نهائي، بينما يواصل الورم الذي استقر في مفصل فخذه الأيسر التأثير على حركته وحياته اليومية، وسط انتظار طويل لسفر قد يمنحه فرصة للعلاج والعودة إلى حياته الطبيعية.
يقول والد الطفل محمود رجب لصحيفة "فلسطين" إن معاناة نجله بدأت قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، خلال بداية العام الدراسي، عندما بدأ يشعر بآلام في ساقه أثرت في قدرته على المشي بصورة طبيعية.
ويضيف: "في البداية عُرض محمد على عدد من الأطباء، وكان الاعتقاد أنه يعاني من نقص في الفيتامينات، لكن حالته لم تتحسن، واستمر الألم في التفاقم".
ومع اندلاع الحرب على غزة وانهيار المنظومة الصحية بفعل الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة للمرافق الطبية، ونقص الأدوية والمعدات، ازدادت معاناة الطفل، لا سيما أن عائلته بقيت في شمال قطاع غزة حيث تراجعت الخدمات الطبية إلى حد كبير.
ويقول والده: "ما زاد الوضع صعوبة أننا بقينا في شمال القطاع ولم ننزح إلى الجنوب، في وقت كانت فيه الإمكانات الطبية محدودة جدًا، ولم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة أمرًا سهلًا".
ومع استمرار آلام الطفل، حاول أحد أصدقاء والده من الكوادر الطبية مساعدته، فأجرى له تصويرًا بجهاز "الألتراساوند"، أظهر وجود كتلة غير طبيعية في مفصل الفخذ الأيسر.
ويتابع رجب: "تواصلنا مع أطباء خارج غزة، وتمكنوا من الاطلاع على الصور رغم محدودية دقتها، وأكدوا وجود ورم يحتاج إلى إزالة عاجلة".
وأوضح أن اكتشاف الورم كان في ديسمبر/كانون الأول عام 2023، إلا أن الطفل لم يخضع حتى اليوم للعملية اللازمة بسبب غياب الإمكانات الطبية المطلوبة داخل القطاع.
ويقول: "حتى الآن لا توجد المواد اللازمة لإجراء خزعة لمعرفة طبيعة هذا الورم، ورغم إصراري على الأطباء لإجرائها هنا للاطمئنان على ابني، أخبروني أن ذلك غير ممكن، وقد تكون له آثار سلبية بسبب عدم توفر الإمكانات اللازمة".

منذ أكثر من عام، حصل الطفل محمد على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، بسبب حاجته إلى استئصال الورم بشكل عاجل، لكن الانتظار ما زال مستمرًا دون موعد واضح للسفر.
ويقول والده: "تواصلت معي منظمة الصحة العالمية أربع مرات، وفي كل مرة كانوا يطلبون منا الاستعداد للسفر، ثم ينقطع الاتصال، وهذا تسبب بخيبة أمل كبيرة لنا، وزاد من معاناة محمد ومعاناتنا كعائلة".
وفي ظل غياب العلاج، يعتمد الطفل على المسكنات لتخفيف الألم الذي يزداد مع مرور الوقت، بينما تتفاقم آثار المرض على حياته النفسية والاجتماعية.
ويضيف رجب: "لم يعد محمد قادرًا على الذهاب إلى المدرسة رغم أنه كان من الطلاب المتفوقين، كما توقف عن اللعب مع أقرانه، وأصبح يميل إلى العزلة، وهذا انعكس على حالته النفسية".
وتعيش الأسرة حالة من القلق بسبب عدم معرفة طبيعة الورم، والخشية من أن يكون سرطانيًا، في ظل التأخير الطويل في التشخيص والعلاج.
ويقول والد الطفل: "التأخير يزيد الوضع سوءًا، حتى إن ساقه اليمنى أصبحت أطول من ساقه اليسرى، وكل ما أريده هو أن يسافر ابني ويتلقى العلاج، حتى لو اضطررت إلى تحمّل تكاليف علاجه كاملة".
ويضيف: "لا أطلب سوى أن يحصل على فرصة، حتى لو سافر بمفرده، المهم أن يتجاوز معبر رفح ويصل إلى مكان يستطيع فيه الأطباء مساعدته".
وبين ألم الجسد وقلق الانتظار، يبقى محمد رجب عالقًا في معركة لا يفهم تفاصيلها، ينتظر يومًا تنتهي فيه سنوات المعاناة، ويستعيد حقه الطبيعي في الحركة واللعب والعودة إلى مقاعد الدراسة مثل بقية الأطفال.

